Wednesday, July 15, 2009

خمسون نجمة و نسر.............16

الرجوع من الخلف

الراحلون

بأذنه التي دربتها السنون علي كل أنواع الخدع الممكنة و غير الممكنة كان آرون يتجول في ليالي بحري ... كان متيقنا أن هناك أحد في المكان من انبعاثه الحراري ... من تنفسه ... من دقات قلبه المتسارعة..... لم يفتح الأنوار فقط أكتفي بالتحدث بصوت عال بأسلوبه الهزلي : أخرج ... أخرج حيثما كنت

تمنا كلاهما في الردهة أن يتلاشي الزمن..... الشييء الوحيد الغريب ان محمد البشير شعر بأن الصوت مألوف للغاية..... مهلا أن هذا الصوت فريد بحيث لا يمكن ان يكون شخص آخر سواه و بهدوء مذعور قال محمد بصوته العادي : أنا هنا يا مستر آرون لا داع للتشكك

أشعل صبحي المصابيح الكثيرة .... لوهلة بدا المقهي من الداخل و كانه عالم جديد سيشهد أحداثا مختلفة.... كان ابراهيم مندهشا للغاية و لكن صوت محمد ورطه و ما حدث قد حدث... وقف كلاهما امام آرون بعصبية شديدة قطعها تساؤل آرون : ماذا تفعلان هنا بحق الجحيم ؟

رد محمد بهدوء مصطنع : كنا سنشرب بعض الكئوس يا رجل

نظر اليه آرون بحدة و قال : هل تظنني أبول في سروالي يابن القحبة ؟ ماذا تفعلان ؟

و أخرج مسدسه عيار تسعة مليمترات و قال و هو يجذب ابرته : أسمعاني جيدا لا وقت لهذا الهراء.... و أنا أعمل هنا و لا أريد ازعاج أما أن تخبراني و أما أن ينتهي الازعاج فورا

قال ابراهيم بحدة : ما الذي تفعله أنت هنا أنا صاحب هذا المكان ؟

قهقه آرون بحدة قائلا : صاحب ماذا ؟ هل هذا ما قالوه لك ؟

ألتفت الي صبحي ضاحكا و قال : لما لا تخبره بالنيابة عني ؟

تنحنح صبحي في حرج و قال : لا داع يا مستر آرون أنهما صغيران و سيرحلان للتو

قال ابراهيم بعصبية : ومن قال أنني سأرحل ؟ أنا باق هنا هذا مقهي والدي و من حقي ان أبقي وقتما شئت

قال آرون بشراسة : أسمعني جيدا يا هذا .... والدك لا يملك شيئا هنا الا بارادتنا .... أنا من المكتب الفيدرالي هل تعرف ما هو المكتب الفيدرالي ؟ لقد ساعدناكم فقط لكي نفعل كل ما يحلو لنا وقتما يحلو لنا.... نحن لا ندفع ايجاركم السنوي هنا لكي يأتي طفل من المدرسة الثانوية العليا لكي يخبرنا بما نفعله و بما لا نفعله... و صدقني انت لا تساو ثمن رصاصة أنت لست مواطنا أمريكيا.... مما يعني أن أحشاء الهدسون ترحب بك في اي وقت

قال محمد محاولا تلطيف الموقف : مستر آرون لما هذا العنف الغير مبرر يمكننا الانصراف و كالعادة لم نر شيئا و لم نسمع شيئ

توجه ابراهيم بالسؤال الي صبحي : هل ما يقوله صحيح ؟ هل نعمل معهم مثل هذا -مشيرا نحو محمد - هل يستخدموننا كالحيوانات ؟

نظر صبحي أرضا و قال : هل لديك حل آخر

صاح ابراهيم : و كيف وافق أبي علي هذا ؟

قال صبحي : لم يكن لديه خيارات بديلة أنا من طرحت الفكرة

صاح آرون : انا لست هنا للحديث في اموركم العائلية ايها الأوغاد.... ما زلت أريد أن أعرف ما الذي أتي بكم في هذا الوقت تحديدا ؟

قال ابراهيم بسخرية : هل تقصد وقت أن كنت تستخدم التعذيب مع مشتبه بهم علي ارض أمريكية ؟

أبتسم آرون في جنون وقال : أكمل يا عزيزي

قال ابراهيم متحديا : أنت لا تفعل ذلك رسميا أنا أقسم علي هذا.... تري ماذا سيكون رأي رؤساك في المكتب ؟

ضحك آرون ضحكة ساخرة قائلا :صدقني أنت لن تغادر هنا حيا

أندفع محمد البشير قائلا : مستر آرون نحن مخطئون معك حق و لكننا كنا لا نعلم أنكم هنا

جلجل صوت آرون قائلا : لماذا أتيتم في هذا الوقت بالتحديد ؟

كان زميله الفيدرالي ينادي من أسفل ماذا يحدث عندك يا آرون ؟

توجه نحو باب القبو و قال : كل شيء علي ما يرام

ثم جلس ثانية قائلا : لست أبلها هناك شييء ما صغير أم كبير دفعكم للمجيء في هذه الساعة... أما أن تخبروني الآن أو أطلق النار علي ثلاثتكم

ذهل صبحي الذي ظن أنه خارج هذه الحسابات و قال : مستر آرون وما شأني انا بهذا العبث الطفولي ؟

في القبو كان نادر يتحرق شوقا لمعرفة ما يحدث عاليه لأنه ببساطة سيصنع مزيدا من الصور..... نظر الي الفيدرالي و هو يكلم همام

فبود رسمي سأل : انت تقول ان الشيخ معجب بافكاركم .... حسنا ما هي افكاركم ؟

رد همام : أفكارنا اسلامية يا هذا لن يمكنك فهمهما بسهولة

قال الفيدرالي بسخرية : جربني

قال همام و هو ينظر الي زميليه الفاقدي الوعي : نحن نسعي لكي تلتفت الولايات المتحدة الي قضايانا قليلا

قال الفيدرالي باهتمام : كيف ؟ بعمل ارهابي مثلا ؟

رد همام : كلا و لكن انتم لا تعترفون الا بالمادة اذا لماذا لا نتملك أصول قوية هنا و ننشيء مجموعة ضغط

قال الفيدرالي : مثل الايباك ؟

قال همام : بالضبط ... الشيخ طبعا سيستفيد من هذا لأنه يتلقي تمويلا بلا حدود من المملكة و سواء نجحت جماعة الضغط في أهدافها او لم تفعل سيتوسع هو هنا

مجددا قال الفيدرالي : ربما كان بعض كلامك صحيح و لكنني لا أصدق أن هذه هي كل الحقيقة

قال همام : أنا لم أقل أن هذه هي كل الحقيقة .... هناك جانب منها لا نعرفه يعرفه الشيخ فقط ... و يمكنكم سلخنا أحياء و لكننا فعلا لا نعرف

تنهد الفيدرالي و قال لهمام : حسنا ما هي الشائعات التي تحوم حول الشيخ في المركز الاسلامي ؟

قال همام : هل تريد أن تخبرني بأنكم لا تعلمون ؟

زمجر الفيدرالي : أخبرنا أنت يا من يعرف كل شييء

تأكد همام من ان زميليه في موتهم الأصغر و قال : تدور شائعات أن الشيخ جاسوس زرعته جهة ما داخل المركز الاسلامي منذ السبعينيات

أندهش الفيدرالي مجددا و تسائل بينه و بين نفسه جاسوس ؟ و أي جهة زرعته بالداخل نحن ؟ أم المخابرات المركزية ؟ بدت الجهة الأخيرة أكثر منطقية بالنسبة اليه .... تري هل ؟ نعم هذا يفسر الكثير .... الشيخ لا يفرق عن زميله كثيرا.... الفارق أن الشيخ يعمل رسميا أما آرون فهو مجرد لص علي الهامش.... حسنا هذا يفسر الكثير من نفوذه غير المبرر هنا .... لهذا فالشيخ حريص علي ان يعمل العرب بكثافة في شركاته هنا.... لكي يصبح هو شمسا يدور الجميع في فلكها... ياله من وغد... "كلا يالنا من أوغاد " هكذا تمتم بينه و بين نفسه

كانت أصابع نادر تعمل في هذه المرة أرسل الي جيفري رسالة واضحة : أتصل بشرطة نيويورك و أحضرهم للمقهي في غضون دقائق

.................................

رد محمد برعب حقيقي : لقد جئنا هنا لأننا متورطين في مشاجرة مع المكسيكيين

قال آرون : و لماذا لم تذهبا الي المنزل مباشرة؟

رد ابراهيم مفاجئا زميله : هناك من أرسل خطابا تهديديا الي منزل محمد .... ثم انني لم أكن أعلم أننا نعمل معكم فجئت هنا

قال آرون بسخرية : كل شييء منطقي الي الآن و لكن هل تعلم انا شخصيا لو اتيت الي بقعة امتلكها و وجدت أحدهم يعبث فيها لسحقته سحقا... أنتم أختبأتم من شييء لا تعلمونه هناك... مما يعني بانكم متورطون بشييء أكبر

رن هاتف ابراهيم المحمول و نظر الي شاشته التي حملت رسالة جنونية: أحضر الي المنزل حالا نحن عائدون الي مصر.... والدك

قال آرون بشراسة : ماذا كنت تقرأ ؟

رد ابراهيم بكراهية شديدة : هذا ليس من شأنك

أندفع آرون نحوه قائلا : سأطلق النيران ثم أتسائل بعدها يابن القحبة

و رفع سلاحه و صوبه الي رأس ابراهيم و صرخ : اذهب الي الجحيم

أندفع محمد نحوه صارخا : كلا يا رجل لا تشعل الأمور

و لكن الرصاصة كانت غادرت المسدس و لكن لفرط العبثية أنطلقت نحو صدر البشير الذي توسط البقعة بين ابراهيم و آرون لتوقعه أرضا

كانت الدماء تندفع من صدره بقوة و كأنها تريد مغادرة ذلك المكان المشحون بالكراهية... شعر ابراهيم بان الأرض تغوص به الي أعماق سحيقة لا يعلمها ... هاهو البشير رفيق طفولته يموت لأول مرة مدافعا عن أحد المهاجرين غير الشرعيين..... كان يتحدث و بأنفاس متقطعة : ابراهيم أري... أريدكم أن تسامحوني جميعا

نظر الي ابراهيم بدموع من الأعماق : أطمئن لم تكن انت الوحيد الذي يخفي شيئا

ابتسم و هو ينازع سكرات الموت الأخيرة قائلا : اخبر سليماني بأن الماريجوانا لم تكن جيدة ت... تلك الليلة... أخبر كارلوس بأن أمه ت.. تحتاج فحلا لاتينيا

ثم رفع رأسه الي يده ضاحكا و قال : السلام في الشرق الأوسط

بعدها همهم بالعربية بالتشهد ثم أنتقل من واقعنا البغيض الي عالم آخر لا ندري عنه شيئا

كان آرون في قمة جنونه و هو يطالع الرسالة في هاتف ابراهيم فتمتم بوحشية : لتذهبوا الي الجحيم اذا لم يعد لكم فائدة

لكن الواقع الذي لا يمل من دفع عجلة الأحداث فاجأ ثلاثتهم بمشهد لم يكن في الحسبان ففي قوة و سرعة تم كسر بوابة المقهي و أندفع رجال شرطة نيويورك الي داخل المقهي و صاح أحدهم : أترك سلاحك يا هذا و أنبطحوا أرضا .... جميعا

قال آرون بسخرية : أنا آرون من المكتب الفيدرالي

رد الضابط بسخرية مماثلة : أنت معهم ايها الفيدرالي

في قسم الشرطة كانت هناك هارمونية بدون مبرر ... ابراهيم انكر معرفته بآرون و لكنه ذكر -ضمنا بأنه أطلق النار علي رفيقه محمد البشير- صبحي أنكر معرفته بآرون و لكنه قال نفس ما قاله قريبه.... و المضحك أنه و بدون تخطيط محكم قال الأثنان بأن جثة بانشو تخص آرون أيضا..... هذا بالأضافة لكلمات المواطنين الأمريكيين الثلاثة الذين كانوا في القبو..... كان زميل آرون ساهما لا يملك القدرة علي المناورة أكتفي أمام الضابط بترديد جملة وحيدة : هذه المهمة بتكليف من آرون

وعند خروج الثلاثة من أحد الغرف تكفل أحدهم بالبصق علي آرون الجالس في الطرقة الخارجية فثارت ثائرته صائحا : لا يوجد أمريكيون بذقون يا أولاد القحبة أنتم حيوانات لا تنسوا هذا أبدا

في أحد الغرف كان ابراهيم يتحدث و يبكي علي صديقه المقتول و علي ما فعله به قبل و فاته ... كان أحد المحققين يستمع اليه و يسأله عما يعرف معطيا اياه سيجارة بارليمانت بطعم النعناع بيين الحين و الآخر ... ثم أخيرا أطلق سراحه

آرون ظل هادئا أمام المحقق يعبث في شعره البني الغزير و استمع الي لائحة الاتهامات الطويلة ...اختطاف مواطنين دون وجه حق... سوء استخدام للنفوذ و السلاح..... هنا تجلت مقولة فرويد عندما أصابته نوبة جنون مفاجئة جعلته يضرب المحقق في وجهه و يسحب منه مسدسه

و في غرفة التحقيق سمع صبحي صوت رصاصة أنهت الجدوي من التحقيق معه ... كل يتضافر لانهاء واقع مغلوط ظرفته ظروف عشوائية.....و الوحيد الذي لم تسأله الشرطة هو من كان يجلس في القبو ممسكا بكل الخيوط..........نادر


...............................

جلس أمام جيفري ممسكا بالصور قائلا : هذا ما كان يريده الشيخ

ضحك جيفري قائلا : هذه الصور لم تعد هناك فائدة لها .... لقد انتحر آرون في قسم الشرطة بعد القبض عليهم جميعا بثلاث ساعات فجر هذا اليوم

قال نادر : و لكن أظن أن الجميع من حقهم أن يعرفوا القصة كاملة

ابتسم جيفري مجددا و قال :هل هذا لأنك عربي مثلهم ؟

قال : ما سينشر سيورطهم.... أطمئن

قال جيفري ضاحكا : و من قال انني اريد توريطهم ؟ كل ما رغبت فيه هو أن أحصل علي قصة ملائمة

قال بعصبية : ألا تجدها ملائمة ؟

قال جيفري باهتمام : الصور طبعا ملائمة... موضوعك هو الغير ملائم.... هل تريد مني ان أخبر نيويورك في الصباح أن مخابرتنا تعبث بالمهاجرين داخل أمريكا بواسطة رجل أعمال خليجي؟ هل تريد أن أخبرهم أن المكتب الفيدرالي يعبث علي نفس النحو..... اذا أخبرتهم بهذا فماذا يتبقي لنا ؟ بالطبع سننشر الصور فقط

قال بعصبية اشد :أما القصة فغير ملائمة لسمعتكم أيها الأمريكيين أليس كذلك ؟

و بجدية قال جيفري : انت مصور يا نادر انت لست كاتبا هنا.... انت تحتاج الي اجازة

غمغم نادر : هل يدفع الشيخ كثيرا الي هذا الحد؟

تجاهله جيفري مواصلا : افترض ان صديقتك المصرية اخبرتك بأنك حصلت علي الترقية التي وعدتك بها.... لقد صرت مراسلا يا نادر

ستذهب الي القاهرة في غضون أيام

ابتسم نادر و هو يعلم أن نشر الصور فقط سيريح الجميع .... التايمز ستزداد مبيعاتها الورقية... الشيخ أنتهي من آرون.... و الأمريكيون سيطمئنون علي نزاهة سلطاتهم الوطنية... جيفري سيصير نجم اعلامي فتمتم في سخرية : السلطانية

.........................................

وطئت أرض ماليبو بعد رحلة طويلة من جيرسي الي مطار ال ايه اكس في لوس انجلوس ثم استقلت السيارة مع عمتها الي ماليبو.... طوال الطريق في السماء و علي البر كان يطاردها ذلك الشعور بالدونية لقد خسرت كل شييء المصري فيها و الأمريكي .... الطبيعي و المختلق

العذرية... الأسرة .... الاستقرار كل ذلك كان سلسلة حياتية أنفرطت بسبب فكرة واحدة.... من أنا ؟

كانت تعلم جيدا أن ويسلر الآن يكابد هما شديدا و لكنه هو من أختار لفظها هو ضحي بها لكي لا يشعر للأبد بأنه السبب في تمردها علي كل ما تعرف....كانت تنظر الي عمتها بتبرجها المبالغ فيه و تتسائل مع نفسها هل هذا هو ما ستصير اليه ؟ مجرد امرأة وحيدة ناجحة في مدينة بعيدة آلاف الكيلومترات عمن تعرف... عمن تحب... عمن تفهم ...... نظرت الي الشوارع و طالعت وجوه الناس في حزن شديد.... كانت تري بعضهم يلعب مع ضغاره في الحدائق الأمامية للبيوت.... بعضهم يقبل رفيقته.... بعضهم جالس وحيدا- لكن بهدوء- تري هل ستطمئن يوما ما ؟ هل ستختفي التساؤلات ؟ هل ستحصل يوما ما علي شرف الوجود بهوية ؟

قالت عمتها بهدوء: لا تفكري في ذلك الوغد مجددا أنت مازلت صغيرة و لديك الكثير لتفعليه هنا.... أنت ستصنعي مستقبلك هنا و ستنجحين فقط لو تركت ما تتعلقين به لأسباب عاطفية

قالت من أسفل حنجرتها : أنا مضطربة قليلا هذا كل شييء

ردت رئيفة : مجرد زوبعة في فنجان و ستهدأ و ستصبحين أقوي ما لا يقتلك يقويك يا صغيرتي

قالت بمرارة : أتمني أن يكون طالعي بهذه الرأفة

وصل كلاهما الي منزل رئيفة الفخم .... كان هناك مفاجاة من طراز خاص عشرات من جيران رئيفة و العاملين معها اصطفوا حول مائدة طعام ضخمة في الحديقة الأمامية و أعلاهم لافتة من الساتان الابيض مكتوب عليها بالأحمر مرحبا بك في ماليبو.... تبادل الجميع معها التحية و بدأوا في تناول الطعام..... كانت مشاعرها المشتعلة قد هدأت قليلا مع ذلك الترحيب ... تناولت القليل من الطعام و ذهبت الي طاولة صغيرة للمشروبات و جلبت كأس من العصير .... و بينما كانت تلتف لتعود الي مقعدها ..... فوجئت بعمتها تصطحب شابا أبيض البشرة بني الشعر و عيناه تميلان الي الزرقة و وجهت كلامها الي عائشة : عمر .... عائشة

مدت يدها في قلق و قالت : كيف حالك ؟ تشرفنا

ابتسم عمر في هدوء قائلا : سعيد لمعرفتك

واصلت رئيفة : عمر ابن جيراننا علي بعد منزلين يا عائشة... أبوه مصري وأمه أمريكية... و يعمل معي في المطعم

ثم أخرجت هاتفها المحمول و قالت بجدية : أف مزيد من الأعمال سأذهب من أجل مكالمة سريعة.... استمتعا

ابتسم عمر و توجه نحو عائشة قائلا : ما رأيك في ماليبو؟

كانت عائشة تكتم ابتسامة و هي تنظر الي عمتها التي غمزت بعينها من بعيد فردت علي عمر بضحكة طويلة أنهت الكثير من أحداث نيويورك : لعوب

........................................

نافيل : يخيل الي ان اليأس أو القلق ألزم اليك من المسئولية التي يحسها انسان يعيش في وحدة و لايجد من يشير اليه الا نفسه فهو مضطر الي ان يتخذ قرارات بمفرده...... أنا أوافقك علي أن الانسان يختار ما سيكونه ... و لكن القلق و اليأس مسألة لا تحدث لدي الانسان دوما... و لا تشترط لقيام عنصر الاختيار

سارتر: الاختيار الذي أقصده هو الاختيار الذي يتم في القلق.... القلق شرط ضروري و قائم بهذا المعني...لأنني سأظل دوما أختار...و بما أن اختياري دائم فقلقي دائم.... و القلق يلغي التعلل بأي علة لأنني مسئول عن اختياري

مناقشة بين الماركسي نافيل و جان بول سارتر في نادي مانتينا

كان نادر قد جهز حقيبتان كبيرتان و وضعهما بجانب الباب و وقف يتطلع الي الجمل السابقة في كتاب ممتليء بالتراب و الاصفرار من علي رف من الرفوف البنية.... نعم انا مسئول عن اختياري ..... لقد انسلخ سابقا و تحرر من شخصيته القديمة المتعللة بالواقع المريض.... المتمردة علي السكون..... و علي الرغم من انسلاخه كان الي عالم يحمل فكرة مسبقة..... الا ان الميتافيزيقا الناجمة عن هدوئه الداخلي غلبت كفة التعلل.... ما أن أبرز جواز سفره للضابط و تحدث بالانجليزية حتي تضآل الضابط في ذعر و رحل في غضون عشرة دقائق فقط

و في طريق عودته الي المنزل كان قد أتخذ قراره الذي سيتوقف عليه وجوده المستقبلي..... سيعود الي الولايات المتحدة ليعمل مجددا .... كان يعتزم الاستقالة من عمله في التايمز و البحث عن مهنة أخري...... لم يكن يعلم ما هي تحديدا و لكنه سيقبل بأي شييء

وضع الكتاب في مكانه علي الرف و قاطعه صوت سمير : انت مسافر يا نادر تاني.... راجع نفسك

قال نادر بهدوء : لقد راجعتها مرارا... انا لا أنتمي لشييء هنا

قال سمير : انت لا تنتمي للأسكندرية.... الي رأس التين.... الي المقاهي ... ابوك أمك....البحر.... الشتاء

رد مجددا بعد زفرة ارتياح طويلة : كل ما قلته صحيح و لكن الواقع هنا متأزم للغاية.... أريد أن أصنع عالما خاص بي... و هذا لن يحدث هنا

رد سمير بغيظ : و ستصنعه هناك

قال نادر : سأصنعه في اي مكان بعيدا عن تلك المنطقة المتفانية من العالم

الطريق الي المطار كان يحمل ارتياحا بلا حدود.... فالكتابة عن أمر يخصك غير تصوير عالم مختلف.... أما اختفاء الأثنين فيحمل بعدا ثالثا

لقد أدرك هنا أنه كان يهرب من الوهم و بأن العدم الذي كان يعيش فيه كان من صنعه.... هناك وجود و حياة حافلة و مفعمة بالحركة و لكنه كان يتمرد عليها.... لم يحزن من هزيمته امام القبة بل بالعكس اعتبرها بداية جديدة ... و ان كانت من صنع قوة فوقية... و لكنه اختار بمحض ارادته.... ليواصل الاختيار اذا و لا يهرب .... و انت ايها الواقع لتهنأ بدفعك المزيد من القلق في عروقي فهذا سيجعلني أنا أصنع الأحداث أنت تتسائل و أنا أجيب.... لن تتسائل أنت و أصيب أنا مجددا بالحيرة.... و انت أيتها العزلة أذهبي الي الجحيم مع رمادي القديم المستقر في أعماق المتوسط..... لقد صارت لي أخيرا صورة أتعامل بها مع حياة جديدة

لم يخبر والداه بانه سيسافر مجددا.... والده بالذات مؤكد أنه مشتعل غيظا الآن.... سلم علي سمير بحرارة في الصالة و دعاه لرؤيته في اي وقت و أثاره بموضوع زوجته المختفية و ابنته علي الرفم من أنه في داخله يعلم أن سمير أكثر ألتصاقا بأرض الأسكندرية من بحرها..... كانت دموع سمير تنهمر مجددا و لكن نادر كان هادئا للغاية و قال له بصوت خفيض : سأراك صدقني سأنزل الاسكندرية في زيارات سنوية لا تبكي كطفلة

فرد ظهره علي المقعد في ارتياح هاهو يرحل مجددا بعد رحلة الي العالم القديم اعاد فيها اكتشاف نفسه التي أنطمرت أسفل العديد من التجارب السيئة و الجيدة.... كان قد غسل روحه التي بثت فيه يوم صلاة المغرب من كل التساؤلات .... ليس بالاجابة عنها و لا بتجاهلها و لكن بالمضي قدما في عالم جديد..... و بينما كان ذيل الطائرة يرتفع عن الأرض... و بعد سماعه كلمات الترحيب من قائد الطائرة .... تمني نادر ان يكون هناك من يلتقط له صورة.... لينشرها في مكان ما تحت عنوان الميلاد

.....................................

كما جاء الي نيويورك في صمت رحل عنها في صمت.... كانت آخر جملة قالها لصبحي : لا أريد رؤية وجهك ثانية هنا أو هناك

حاول قدر الامكان أن يحمل معه قدرا من الأموال التي طالما شقي بها في تلك البلاد.... لقد خسر والده و ابنته و ابنه-الذي احتقره بعد واقعة القبو- اذا فلا داع لخسارة كل شييء..... زوجته حرصت علي جلب كل ما هو أمريكي لتخبر "القراشانات" أخواتها بأنها كانت في الجنة هناك و هبطت الي عالمهم بالأسفل بمحض ارادتها..... أما ابراهيم فكان يريد النسيان..... نسيان كل ما حدث و فتح صفحة جديدة في تلك البلاد.... تذكر وداع كارلوس الاخير.... احتضان لوكا الأخير.... مشهد آخر غروب في المدينة الشرقية... كل ما كان جميل كان يقبع في النهاية .... هبط ثلاثتهم في الأسكندرية بعد رحلة طويلة .... تحدثوا فيها لمما ... و أتفقوا دون حديث شفهي بأن ما سيجمعهم في الأيام القادمة أمرين.... النسيان و مسايرة بعضهم لبعض في تعاملهم مع الناس.... سيقتنع ابنه و زوجته عندما يتحدث مع اخوته بأن الحياة في امريكا كانت رائعة و لكن " البلد دي أحسن من غيرها " و سيقتنع هو و ابنه عندما تعزم الجيران و تقول بأنها أفضل من طبخ اللازانيا من المهاجرين و سيقتنع والداه به عندما سيقول لأصدقاؤه الجدد و أولاد عمومته بأنه كان من المتفوقين في الثانوية العليا و لكنه أتي لمصر لكي يخدم بلاده التي كان يتحرق شوقا لرؤيتها..... عندما دخل الي شقتهم في شارع سوق الحصر أخرج عقد بيع قديم لمحل العصافرة غير موقع و أخرج ختم والده القديم -الذي كان لا يأتمن سواه عليه -و وقع بدلا منه و تمتم في سره و الرطوبة الخانقة تؤرقه : أعتقد أنني صبرت عليك بما فيه الكفاية

في المساء كان يجلس مع اخوته عند المحامي من اجل اعلام الوراثة كان متحفزا لاخراج عقد البيع الذي زوره و لكنه فوجيء بالمحامي ينظر اليه في حزن و كأنه يعلم كل ما حدث و يقول : أما محل العصافرة فلولدي علي

ها هو يخبره مجددا من أسفل التراب بأنه أفضل من وساوسه.... بأن سنين عمره التي ضاعت هناك كانت من اجل اللاشييء دمعت عيناه و لكنه مسحها بسرعة و قال للمحامي و روح نيويورك لم تفارقه : و حنبدأ الاجراءات أمتي انشاءاللله ؟

.......................................

كنت قد خرجت من شقته القديمة للتو .... الجو حار للغاية وهو يشعل سيجارته من سابقتها فلم احتمل عالمه الدخاني بالاضافة لأنه أصابني باحباط هائل عندما قال لي بعد ان أنهي قراءة المسودة :مزيد من الخراء و لكنه يروقني ... و يحتاج للمزيد

كنت جالسا علي الكورنيش في ضوضاء بائعي حمص الشام و الجيلاتي و طقطقة الفحم الذي يشوي الذرة هذا بالاضافة لمشاهد المصطافين المخجلة علي شاطيء الانفوشي .... كل ما هو مجاني لابد ان يحمل صورة مزرية في بلدنا للأسف.... كانت جملة تحتاج المزيد هذه ترن في اذني كقطعة نقدية تدور علي الرخام .....كنت أتأمل كل شييء دون اعتبار لمعناه..... المزيد من أي شييء لن يكفيني و لن يكفي ما أكتب لكي استريح ... المزيد طلب سخيف في حد ذاته.... نوع من المطلق الذي لن نصل اليه دوما.... كنت احفظ كل ما قراه عن ظهر قلب.... و كنت أتحرق شوقا الي معرفة ماذا كان يقصد هو بالذات بكلمة المزيد ؟ هل مزيد من العبث في عالم ابراهيم و عائشة.... هل مزيد من الاختلاف بين هنا و هناك؟ هل مزيد من الجدل بين نادر و نفسه ؟ أم المزيد من التفاصيل عنه عن الورق..... ان سمير عبد المسيح يا من تقرا هو من كان جالسا أمامي خلال الستة أشهر السابقة...... ليس بوجوده المادي و لا باسمه المستعار هنا .... لكن بمعرفته المكثفة عن ما يحدث ..... فكرت قليلا و شعرت بأن المزيد الوحيد الذي نحتاجه جميعا ... أنا و هو و حتي من تدور عنهم الرواية.... هو ان نتخلص من أفكارنا البالية القديمة..... نحتاج جميعا الي المزيد من الشعور بأننا بشر طبيعيون..... قادرون علي جلب البهجة أينما حللنا..... قادرين علي احياء الأمل في نفوس من نعرفهم و من يعرفوننا و لا نعرفهم..... ليس من المهم أن نكون نحن محورا في حياة الجميع.... ليس من المهم ان نكون نحن اجابة لكل تساؤلاتهم.... و لا أن نكون نحن الحلول السهلة لكل قلقهم وتطلعاتهم ..... ليس من المهم ان نشاركهم افكارهم أو نصنعها..... و لا أن نكون نحن المستقبل في حياة بعضهم.... أو الماضي خيرا او شرا بالنسبة اليهم.... المهم ان يكون وجودنا جميعا له قيمة في حد ذاته.... و أن نعلم بأن اختياراتنا هي ما سيحدد ما سنكون عليه..... أعتقد أن وجود أحدهم بقيمة معينة في حياة من يعيشون حوله هو ما يسبب ذلك الشعور باللهفة -و هو أجمل شعور بشري في رأيي- هل لاحظت صديقك عندما يقابلك بعد غيابك الطويل ؟ هل فوجئت بدموع من تحب عندما تظهر في حياتها فجأة لتكتمل بداخلها صورتها عن سبب وجودها.... هل شعرت بالقوة و أنت تدفع مع أصدقائك سيارة توقف محركها ؟ أم شعرت بألفة و أنت جالس تدلي برأيك في مشكلة يعتبرونك حلا لها...... ها أنت تعود مجددا لتصبح قيمة ما في حياة أحدهم و ستصبح شئت أم أبيت سببا في وجود المزيد من الحياة.... مهلا ....مهلا .... هل هذا هو المزيد الذي كان يقصده؟..... ربما ... ربما أحتاج أنا و هذه الرواية الي مزيد من الحياة أو مزيد من السرد

.......................................................

تمت

الأسكندرية يوليو 2009


Monday, July 13, 2009

خمسون نجمة و نسر.......15

الرجوع من الخلف

القبو

تكررت زياراته للشاطيء الصغير امام ابي العباس المرسي كثيرا للغاية ..... كان يجلس بائسا في كل مرة رغم الاشادة التي يتلقاها شهريا من التايمز.... ربما اللوم و التقريع من سمير هو أحد الأسباب و لكنه ليس كل شييء.... الشعور بأنك قشرة محار فارغة كتلك التي رآها اليوم علي الشاطيء يحاصره..... الخواء علي الرغم من النجاح المهني..... لقد أجاب علي سؤاله الأول الذي كان بماذا أكون ؟ فعمل و نجح .... كان يعتقد أنه لا مزيد من الأسئلة.... و كم كان مخطئا.... ذلك الواقع أسئلته لا تنتهي.... اختباراته مستمرة...... لحوح.... فبدون تلك الأسئلة لن يصنع أحداثا و بالتالي سيأكل بعضه كالنار.... كان التحقيق الذي نشره عن الانتخابات مدويا ... في الخارج طبعا حيث لا يهتمون الا بابراز السلبيات.... هل -مثلا- لا يعرف الغرب أن بلادنا الجنوبية تمتلك جامعات عريقة و شوارع ممهدة و مباني ؟ هل يجهلون ان لدينا سينما منذ بدايات القرن العشرين ؟ اذا ما الداعي لأن تكون الصورة الوحيدة الملتصقة باذهانهم عنا هي الرمال و الجمال و الاهرامات و الهوس الجنسي ؟ ما الداعي لأن يتكاسل جيفري عن نشر تحقيق له عن البنك الأهلي .... عن فوز شاهين بجائزة في مهرجان كان؟

السبب الوحيد الذي يطارده بالحاح و ينفيه هو لكي لا ترتبط المؤامرة بمصدر نجاحه هو أنهم يصرون علي احساسنا بالدونية ... باننا أقل مهما فعلنا.... لكي لا نفعل..... نوع من دس الاحباط في العسل.... العسل الليبرالي..... دعه يعمل دعه يمر.... دعه يمر في بلادنا يمسخنا و يحولنا الي ببغاوات صقلية متكلمة بالبراجماتية .... المؤسف انه آداة في أيديهم.... جزء من الخدعة.... بكاميرته و وصفه الدقيق .... و سوء الظن الذي في محله..... بلمسه ذلك الوتر الذي يعزف النشاز في الاسكندرية الآن..... أنه لا يخشي أن يواجه مضايقات هنا من أي جهة بقدر ما يخشي تلك الحقيقة الجديدة.... أنه مغيب ...... يفعل ما يريدونه بمنتهي الأمانة.... لقاء حفنة من الدولارات و استقرار نفسي و توقف مؤقت لدوامة الجدل في الثمانينات...... خرج من القارب بعد المغرب.... كان مسجد أبي العباس يقف شامخا أمامه و كأنه يتحداه بقبته المنقوشة.... كان يقول له أنا لا أتغير من قبل أن تولد و منذ يوم ولدت و الي الآن و أنا هنا في مكاني صامد.... لا أعبأ بالأنواء أيها البشري.... الضعيف

كانت الموجة الحارة قد أنكسرت... و الهواء ينبعث في رقة من كل اتجاه .... الشوارع مليئة بالسكندريين بوجوههم الحزينة......جلس علي الكورنيش بحجارته القديمة..... بعد وهلة من صفائه مع الذات كانت الأحداث السابقة منذ أن كان يجلس علي ديليس تمر في رأسه متقطعة لتزيده ألما..... خصوصا في مواجهة تلك القبة......هل آن الآوان؟ هل صار الشييء الوحيد المنطقي الآن هو أن يترك نفسه لفطرتها ؟

كان يتمني من أعمق أعماقه أن يأتي سوء الظن من سويداء قلبه لينهيه عن رغبته الجديدة.... و لكنه كعادة من ننتظرهم جميعا لم يأت لأول مرة..... حاول أن يتمرد كثيرا من داخله و لكنه أدرك مجددا أن هذه ليست مشاعر محمومة بسبب شعوره بالقهر.... هو لم يعد مراهقا لكي يستحوذ عليه وسواس..... تذكر كلمات نهي يوم أن قابلها في البرودواي : أنا لا أخجل ممن أكونه .... صورتي هي ما يحفظ كياني... أتضافر معهم و لا أمتزج بهم...... سحب نفسا عميقا من الهواء المنعش الذي أختاره الواقع في هذه الليلة تحية لكل المتصالحين مع أنفسهم...... نعم لم يعد التمرد كافيا ... التمرد هو أفيون اللامنتمين....هو مسكن لكل من لا يملكون الاجابة علي السؤال ..... من المسئول عما يحدث؟ و لماذا يتركنا هنا في مواجهة واقع سقيم كهذا ؟..... ظل صامتا لفترة طويلة للغاية شعر بأن المزيد من أي شييء لن يكفيه... مئات الأسئلة و النظريات القابعة في كتب مصفرة علي رفوف بنية في منزله لن تكفي لمقاومة ذلك الشعور...... و هنا أتي صوت آذان العشاء من أبي العباس و البوصيري مجلجلا متداخلا محملا بذلك الخشوع الواثق الذي يغسل قذارة كل ما أقترفناه نحن و الواقع المريض كشركاء في جريمة التجاهل بالتضامن..... الميتافيزيقا تربح دوما و لن يمكنه مواجهتها بسوء الظن الذي توفي منذ قليل...... في غمرة هذه الأحداث توفي التمرد أيضا.... و هنا شعر نادر بالانسلاخ.... بأنه يخرج من تحت جلده و عظامه و من عروقه و عينيه....شعر بأن القديم منه قبل اختفاء التمرد صار رمادا .... ذلك الحزين المنغمس في عزلة لا يعرف سببا لها سيتلاشي مع ذلك الهواء في البحر و لن يجده ثانية.... كان الجديد منه يعبر الشارع و شريط الترام بملامح منبسطة بروح جديدة و كانت عيناه لأول مرة تنظر الي مكان ما... الي تلك القبة الضخمة.... كان يقاوم الضآلة التي شعر بها في القارب قبل أن ينسلخ من ذاته.....خلع حذائه و أنهال الماء عليه مطهرا ... كان ينظر الي المتوضئين فشعر بألفة غريبة.... هي نفس الألفة التي نشعر بها جميعا حين نتعاون في دفع سيارة توقف محركها...كطفل دخل الي البهو يحبو و نظر الي الثريا الضخمة أسفل القبة.... شعر بأنه سيرتفع الي اعلي في غضون دقائق الي عالم نوراني لا يحمل نفس واقعنا..... مفرداته ليست محدودة كمفرداتنا..... أصطف الجميع في صفوف منضبطة مستقيمة ..... و شعر بصرخة حياة بصوت عذب حين تمتم الجميع و هو وسطهم : آمين

ظل يحلق و يحلق و الاحساس يخرج منه الي فضاء جديد حيث لا وجود للعدمية بعد ان شعر بأن هناك سبب معين يبقيه حيا.... هو من سيحدد ذلك السبب استنادا الي عقيدة راسخة كجبل و أشد جمالا من العاطفة المحمومة.... بعقلانية واقع صنعناه بأيدينا لا مفروض علينا....و مع انتهاء ذلك الميلاد الرباني ....و بعد أن سلم علي عالمه الجديد يمينا و يسارا..... شعر بأنه سقط لتوه الآن في هذا العالم محصنا.... لا مزيد من الجدل فالأسئلة موجودة منذ الأبد و ستوجد للأبد في البحر الواسع لذلك العالم..... ليتمسك هو بأي قشه تقيه من الانجراف بعيدا نحو المجهول الذي لا يريده.... كان يرتدي حذاؤه و هو خارج فطالع دعاء الشيخ الغزالي مكتوبا بخط عربي جميل علي أحد الحوائط "اللهم أرزقنا ايمان العوام " و لأول مرة لم يثره أن يكون مثله مثل غيره فابتسم ابتسامة طويلة.... و نظر بعيدا الي المكان الذي كان يجلس فيه قبل أن يعبر الشارع و تأكد أن الرماد قد أستقر هناك بعيدا في البحر..... توجه الي المنزل بخطوات هادئة واثقة و لم يكن ما يحدث في الشوارع يهمه كالسابق.... صعد الي المنزل و فتح الباب .... كان سمير نائما في الصالة ابتسم و هو يشاهده كطفل نائم .... و يبدو أن النور المنبعث منه أوقظ سمير الذي ابتسم بدوره قائلا : كنت بتبص علي أيه يا شقي ؟

ضحك ضحكة طويلة أدهشت سمير فقال : الحمد لله بتضحك من قلبك .... أخيرا يابن الكلب

فضحك مجددا تلك الضحكة الصافية التي لم تتواجد نغماتها يوما في حنجرته... ثم قطب سمير وجهه قائلا في جدية مصطنعة : أبقي أعملنا تحقيق في الجرنال بتاعك عن الخلل النفسي عند المراسلين

قال له بهدوء : انا صليت النهاردة

ابتسم سمير من قلبه و قال عيناه تشرقان بالفرحة : ألف مبروك.... علي الله تكون هديت

رد نادر : الحمد لله

ضحك سمير قائلا : مش قلت لك كنت بتغني و ترد علي نفسك

و فجأة سمع كلاهما خبطات قوية متواصلة علي الباب لا تحمل الا معني واحد...... الخطر .... ذلك القاتل المحترف للنهايات الطبيعية.... فتح نادر الباب و ووجد رجل في منتصف الاربيعينيات من عمره يرتدي بدلة -دون مبرر- و معه رجلان ضخمي الجثة يقول بلهجة رسمية جافة : حضرتك الأستاذ نادر الفلكي ؟

رد هو بثقة : خير

قال الرسمي : ممكن تتفضل معانا ....عايزين ندردش معاك

لم يسأله من هم فقط اكتفي بأن يقول : أغير هدومي و جي معاكم


..............................................

وقف ثلاثتهم امام حقيبة السيارة المفتوحة مذهولين ليس لأن بانشو قتل و لكن لأنه قتل خارج المقهي ...... كانوا سيقتلونه ببطء داخل ليالي بحري و يدفنونه في القبو كان الأسمنت و الجاروف و كل ما يريدونه بالداخل.... و بذعر طفولي تمتم سليماني : اللعنة ماذا سنفعل ؟

رد محمد البشير : أهدأ كي لا تثير أي ماربالصدفة بالقرب منا.... ابراهيم ساعدني في حمله و أنت أذهب و أفتح الأبواب ثم راقب الشارع

كان الذعر مسيطرا علي سليماني لدرجة أنه لم يفهم و صاح : كلا ألف لعنة أنا راحل لا تتصلا بي الأيام القادمة

و جري بسرعة رهيبة مختفيا في ظلام الشارع ....تعاون محمد و ابراهيم لرفع جثة بانشو الملطخة من السيارة فأخرجاه بصعوبة بالغة و فتحوا الأبواب ... أحضر محمد غطاء احد الطاولات و لف به الجثة ثم سحباه كلاهما للداخل و أغلقا الأبواب مجددا...... لم يشعلا الأضواء ... الضوء في موقف كهذا كافي لاصابتهم بصدمة عصبية..... لقد قتلوا بانشو كما تمنوا و لكنهم لم بكونوا مؤهلين لذلك بعد..... أن ما يحدث الآن هو أكبر من الجلبة التي يصنعها فتية مراهقين في شجارات مدرسية.... و من داخله شعر ابراهيم بالتورط .. و تسائل ما الذي يفعله بنفسه الآن ؟ هل وجد هنا في هذه البلدة ليكون قاتل ؟ كان يجر بانشو بحزن و كأنه ينعي عدوه الذي أنهي وجوده كنوع من رد الصاع صاعين لذلك الواقع البغيض الذي يتفنن في افقاده من يحب.... يتفنن في اثارة القلق في نفسه عن هوية لا يعلمها..... كان يتذكر كل حياته السابقة و العرق يتساقط علي جبهته ....من الممكن أن يخسر كل شييء اللحظات القادمة بسبب فكرة جنونية استحوذت عليه في لحظة غضب

حتي هذا الوغد الذي قتل بانشو فعليا الذي يتأمر علي الجميع كان يشعر بشفقة عليه فعندما سيعود الي المنزل سيعلم أن هناك من أوقع به لدي والده..... و فجاة شعر بجلبة و صراخ في القبو من أسفل فتحول القلق الي ذهول بلا حدود لاحظ بعد أن فتح الباب ان هناك ضوء منبعث في الاسفل هل نسي احدهم المصابيح مضاءة ام أن هناك أحد بالأسفل.... سكن بحواسه كلها و كانه تمثال في الظلام و سمع احدهم يقول بلهجة جنونية : و الآن مجددا ... ما هي علاقتكم بالشيخ سعيد ؟

كان هناك أصوات مكتومة و همهمة لم يميزه أشار الي محمد بأن يتوقف قليلا و همس في الظلام : مو أنتظر هناك أحد بالأسفل

دق الاخير بقبضتيه علي عظام رأسه و قال : سنذهب الي الجحيم

ثم توحش الرعب في أعماقهما عندما سمع اصوات الباب تفتح ...... كان من حسن طالعهما ان الحمام قريب للغاية فدفعا جثة بانشو الي داخله ووقفا في ردهة ملاصقة لباب القبو و ذهل ابراهيم عندما وجد صبحي ابن عم أبيه يعبر الردهة امامهما و كان الذي يحدث بالاسفل أمرا عاديا للغاية.... و فجأة توقف صبحي أمام باب القبو و نظر حوله في دائرة واسعة لقد نسي ابراهيم الباب مفتوحا في غمرة انفعاله و دهشته .... توارا الأثنان في الظلام و تمني كلاهما دون اتفاق مسبق أن يصيرا جزءا من النسيان...مرت الدقائق بطيئة للغاية ... ثم سمع ابراهيم صوت صبحي من اسفل يقول : لقد وجدت الباب مفتوحا هل فتحه أحدكم ؟

رد الصوت الجنوني : كلا اللعنة عليك ..... هل تريد أن تخبرني أن هناك أحد هنا ؟

ذعر كلاهما و فكر محمد أن يسحبا جثة بانشو للخارج مجددا الي السيارة و لكن أي جلبة ستحدث خلال هذا تعني ان يقعا في شرك لا يعلماه

ثم قطع الصمت ذلك الصوت الخشن المجنون : واصل انت مكاني و أحذر أن تترك علامات علي اجسادهم... و أنت أيها المأفون تعالي معي

.........................................

و الآن ماذا سيفعل نادر بحاسة غريبة كتلك ؟

كل شييء سيحدث كان يراه قبل ان يتم فعلا .... توجه الي القبو قبل ان يلاحظ علي اختفاؤه و قبل ان يلاحظ صبحي وجوده.... و قبل أن يطلب ذلك الزبون الأخير طلبا ما فتهدأ وساوسه ....نزل الي القبو في خفة ...كان هناك عشرات من أجولة الفحم و علب المعسل المتنوعة المخزنة بعناية....عدة صفوف فوق صفوف من زجاجات المياه الغازية و عدة كراسي قديمة مهترئة ..... انزلق بخفة خلف الزجاجات كان هناك فرجات دقيقة بين الزجاجات تكفي لكي يشاهد ما سيحدث في غضون الدقائق القليلة القادمة..... كانت الأصوات تختفي من خلفية ذلك العالم بالتدريج ... بحيث يمكنك أن تعرف انه لا أحد يمر في الشارع مجددا.... لا احد دخل المقهي منذ وهلة...... من بالخارج يرحلون .... هناك أصوات غريبة تولد الآن أقدام ثقيلة تهبط ببطء الدرجات المؤدية للقبو..... ثم اشعل أحدهم النور.... و من مخبأه أخرج نادر هاتفه المحمول و تمني ألا يلاحظ أحد نور شاشته الرقمية في بقعته المظلمة التي يختبأ فيها شاهدا علي ما يحدث و بسرعة أرسل رسلة نصية الي جيفري قائلا : هناك شييء يحدث.... سعد للغاية بأنه يضع كاميرته الرقمية في جيب بنطلونه "الباجي" فأخرجها و سلط عدستها المتطورة من خلا ل أوسع الفرجات بين الزجاجات البلاستيكية... و بصعوبة بالغة نجح في تثبيت عدستها بكيفية تسمح برؤية ما يحدث و بداخله دارت أسئلة عدة منها : مهلا ماذا يحدث أليس ذلك هو الايرلندي الذي يؤرق الشيخ البدين ؟ و من ذلك الضخم الذي معه ؟ و من هؤلاء الثلاثة معصوبي الأعين ؟ و ما علاقة صبحي و علي بهذا باعتبارهما أصحاب المكان ؟

أفيق من اسئلته علي صوت آرون و هو ينزع عن احدهم عصابة عينيه.....و سدد نادر ابهامه علي زر التصوير....... تكلم آرون بغضب يأتي من اعماق سحيقة : مرحبا يا هذا ... أم أقول السلام عليكم

رد الشاب الذي امامه : أين أنا ؟

تجاهل آرون سؤاله و قال بوحشية : أنت وائل المصري أليس كذلك ؟

لم يجب الشاب أكتفي بايماءة من رأسه فواصل آرون : أسمعني جيدا .... لقد كلفني الايقاع بكم الكثير ...لذلك سأفعل الممكن والغير ممكن لأحصل علي ما أريده..... ما هي علاقتك بالشيخ سعيد ؟

رد الشاب في قوة : انا مواطن امريكي من دافعي الضرائب من حقي الحصول علي تحقيق رسمي و من حقي ان أكلم محاميا

صفعه آرون في وحشية قائلا : مواطن ماذا أيها الحقير ؟ هل تصدق خدعة كهذه.... لا يوجد شييء رسمي هنا .... الشييء الرسمي الوحيد الذي أعدك به أنك اذا لم تجب علي اسئلتي بالكامل دون مناورات..... سيكون هناك وثيقة موت رسمية لثلاثتكم في الصباح

ثم جن جنونه و أخرج مسدسه و هوي به علي وجه وائل فسقط الاخير بمقعده أرضا........نزع عن الثاني العصابة و الكمامةو قال بلهجته الشرسة : سيف الاسلام بن غزال..... سجلك نظيف للغاية يا هذا..... لماذا لا نعقد صفقة ما .....مممم حسنا ....أنت تخبرني بما أنتم متورطون فيه مع الشيخ أترككم ترحلون بسلام ما رأيك ؟

نظر اليه غزال باحتقار و بصق عليه فجأة قائلا بلهجة عربية : اذهب الي الجحيم يا ولد القحبة

جن جنون آرون فهوي بعدة صفعات علي وجه غزال و لكمه في وجهه بشراسة أسقطت بعض أسنانه الأمامية و صاح في وحشية : أنتم تظنون أنكم ملوك العند.... كلا أنتم لم تروا شيئا بعد

ثم بصق نحوهم قائلا بصراخه الجنوني : سأحصل علي ما أريده بأي ثمن هل تفهمون ؟

تمني نادر أن يفعل أي شييء و لكن منذ أن بدأ عمله عرف جيدا أنه يصور فقط و لا ينبغي ان يكون جزءا من الصورة....

أخرج الهاتف ببطء و كتب و عيناه معلقتان بالايرلندي : مصور.... اختطاف مواطنين أمريكيين بواسطة الأف بي آي و أرسلها لجيفري

ظهر صبحي لأول مرة قائلا :لقد وجدت الباب مفتوحا هل فتحه أحدكم ؟

رد آرون بغضبه الغير طبيعي : كلا اللعنة عليك.... هل تريد أن تخبرني أن هناك أحد هنا ؟

ثم زفر في حنق و توجه بالحديث الي زميله الصامت : واصل أنت مكاني و أحذر أن تترك علامات علي أجسادهم ... و أنت أيها المأفون تعال معي

أختفي آرون و صبحي من أمام نادر و سر الاخير بان ذلك الآخر سيظهر أمامه ..... توجه العميل الضخم الذي كان هو آخر الجالسين في المطعم نحو الثالث قائلا : و الآن يا همام ألا تعتقد أن صفقة صغيرة ستحل مشاكلكم الآن ؟

رد محمد همام قائلا :ماذا تريد أن تعرف ؟

أنبسطت ملامح العميل في الصورة التي التقطها نادر و قال : ما علاقتكم بالشيخ سعيد ؟

رد همام : انه يدفع لنا سنويا

سأله باهتمام : لقاء ماذا ؟

قال همام : انها منحة يا رجل .... نحن من الناشطين في المركز الاسلامي

تمالك العميل هدوئه قائلا : فقط .... انا اعرف الشيخ جيدا لن يدفع مثله شيئا من أجل لا شييء

قال همام : لقد حضر مرة صلاة الجمعة في المركز وقال ان أفكارنا تعجبه و .... هذا كل شييء

بدا الغضب علي وجه العميل ولكنه قال مجددا : أنا أصدق ما قلته و لكن هذا ليس كل شيء... لد

قاطعه صوت جلبة من أعلي أثارت قلقه فوقف منتصبا و جذب سلاحه و صاح : آرون ماذا يحدث عندك ؟

.........................................
جلس امام الضابط بهدوء و ثقة .... في جيب سترته الداخلية جواز سفره المصري و الأمريكي.... لم يكن قلقا حيال ما سيفعلونه به.... كان التساؤل الجديد الذي يعتصره هو من أوقع به ؟ من يعرف أن كريس ايجل مراسل التايمز هو نادر الفلكي ؟
و بلهجة خشنة قال الضابط : أنت بتسأل نفسك طبعا مين اللي جاب رجلك هنا ؟
رد نادر ببرود : طبيعي لأني معرفش عملت ايه عشان آجي أمن الدولة حتة واحدة
تحدث الضابط بسماجة مفروضة عليه بحكم مهنته : عامل دوشة كبيرة و الله يا استاذ نادر.... و لا أقولك يا مستر ايجل ؟
قال نادر بتساؤل مصطنع : ايجل مين ؟
بدا الغضب علي وجه الضابط : لا يا استاذ نادر و حياة أبوك متتعبناش معاك .... خليك دوغري
رد نادر : أنا مراسل التايمز .....جميل
قال الضابط : جميل جدا .... أنت اللي فاضح البلد في الصور بتاعتك يعني ؟
قال نادر ببرود اضافي : يعني الصور دي ملفقة ؟ الصور دي حقيقية مئة بالمئة
كان هناك أحدهم يجلس علي مكتب بعيد نسبيا يكتب.... هل يسجلون ما يقوله ؟ هل سيتلاعبون بصوته كما كانوا يفعلون في الستينات ؟
قال الضابط مجددا : لا متخافش الحاجات دي قدمت ..... اللي قدامك ده بيكتب بمنتهي الأمانة ... أحنا في عصر الديمقراطية و لا أيه ؟
قال نادر : مين اللي قالكم ؟
تراجع الضابط في مقعده منتصرا و قال شابكا أصابع يديه أسفل ذقنه : زميلك يا سيدي أحمد محيي كان مشرفنا هنا من كام يوم بس متخافش هو متكلمش الا لما قلناله خليك معانا لغاية متعرف مين صاحب الصور
تصنع نادر الاندماج في الحديث قائلا : أنت تقول أننا في بلد ديمقراطي .... هل سمعت عن بلد بيستجوب مراسلين لجرايد أجنبية ؟
قال الضابط : لما يبقوا مبينشروش الا الفضائح و الغسيل الوسخ بس أكيد لازم أستجوبهم.... و بعدين دي دردشة يا أستاذ .... الاستجواب ده بنشيله للحبايب
قال نادر بسخرية : دا ايه الكرم الحاتمي ده ؟
قال الضابط و الغل ينفث من خلال كلماته : من حسن حظك أن السيد الوالد عضو مجلس شعب و له علاقات مع الحزب
رد نادر بمنتهي السخرية : طظ
جن جنون الضابط و قال متماسكا نفسه : في ايه بالظبط ؟
فأجابه نادر : في النائب و الحزب مع بعض
أرتفع صوت الضابط : أنت كده بتفتح علي نفسك فواتيح أنت مش قدها
قال نادر بمنتهي القسوة : هو النائب ده يقربلك اكتر مني و لا الحزب دا بن عمك مثلا.... أنا لو كنت اجنبي كان زمان ركبك بتخبط في بعض دلوقتي و مكنتش تعرف تقولي تلت التلاتة كام ..... لكن فكرة أن أنا مصري مسهلة الأمور شوية
هدأت ثائرة الضابط و قال : طب يا عم لما أنت البلد مش عجباك رجعت ليه ؟
قال نادر بسخرية مريرة : السلطانية
قال الضابط بدهشة : أفندم ؟
واصل نادر : أنا سافرت أساسا عشان مكنتش طايق البلد فلما أشتغلت هنك رجعوني هنا مراسل ... فهمت ؟
نظر اليه الضابط بدهشة مخترقا أياه بنظرة لكي يتأكد مما يقول .... كان مما يبدو أن الجالس أمامه ليس لديه ما يخسره.... و هذا أسوأ من تتعامل معهم أمنيا .... فالتحريات التي اجروها عنه لا تحمل معلومة أضافية باستثناء مراسل و والده هو الفلكي نائب الجمرك...... و الاخير سيطيح به في حالة تعرض ابنه للخطر حتي و لو كان جاسوسا أمريكيا...... نظر اليه بهدوء و قال : انا عايزك تروح يا نادر... عشان كده عايز تعهد منك أنك متعملش مشاكل تاني مفهوم ؟
ضحك نادر ضحكة ساخرة طويلة و قال : حاضر يا عمو
بدا الغضب علي ملامح الضابط فقال بوحشية : انت كده بتصعب الامور علي نفسك تاني
وضع نادر ساقه فوق الأخري و قال : صدقني أنت اللي بتصعبها علي نفسك
ثم و قف و أخرج من جيب سترته جواز سفره المصري قائلا : من شوية قلتلك أنت متقدرش تعمل حاجة لو كنت أنا أجنبي و السؤال ليه ؟
ثم واصل : لأن الحكومة اللي أنت زعلان عشانها دي بتخاف من الأجانب
كان الضابط ينظر اليه و هو يتحدث باعتباره مجنونا رسميا
واصل نادر : حتي لو نشر الاجانب صور أزفت مليون مرة من اللي أنا نشرتها.... حكومتك حبيبة الأجانب متقدرش تستغني عنهم لأنهم هما اللي مخلينها تعيش.... نفس صناعي يعني
كان نادر متسع العينان يتحدث بصوت غريب و العرق يتساقط من جميع مسامه فأعتقد الضابط أنه يمر بوعكة ما و لكن نادر واصل : عشان كده يا حضرة الظابط باسبور بلدكم دا مينفعنيش من هنا و رايح
أخرج نادر قداحته و أشعل النار في طرف الباسبور المصري و هو ينظر بتلذذ الي النسر يتآكل علي الرقعة الجلدية الداكنة ..... كان الضابط مذهولا... لم يكن يتخيل منذ أن جائوا به أنه مختل لهذا الحد.... كان يظنه شابا مدللا والده ميسور الحال سيرتعد كقطة مبتلة حين يضغطون عليه في تحقيق غير رسمي .... الذي أمامه الآن شييء لا يعرفه .....ماذا يقصد باشعال النار في جواز سفره ؟
فوجيء الضابط بنادر يخرج جواز سفر آخر عليه نسر جديد باسطا أجنحته و مدون عليه بالانجليزية جواز سفر الولايات المتحدة.... كان الضابط في حيرة شديدة و نادر يقول له بانجليزية سليمة تماما : أنا مواطن أمريكي و من حقي الاتصال بالسفارة
ثم صاح في قوة : الآن
......................................................
يتبع

Saturday, July 11, 2009

خمسون نجمة و نسر...............14

الرجوع من الخلف
ثلاث ورقات
................................
like the tunnel that u follow
to atunnel of its own
down a hollow to a cavern
where the sun has never shown
like the door that keep revolving in a half forgotten dream
or the ripples from a pebble
someone tosses in astream
like a clock whose hands are sweeping
past the minutes on its face
and the world is like an apple
whirling silently in space
like the circles that u find
in the windmills of ur mind
نويل هاريسون
.................................
كعادته في السنوات الأخيرة يجلس علي متمنيا أن يمر اليوم بهدوء في المساء .... بدون مشاكل.... الا يتشاجر أحد المخمورين مع امثاله و يحطموا طاولة لن يدفعوا حسابها .... أو أن يغازل أحدهم الراقصة الروسية أو يتحسس جسدها فيضطر هو للفصل قائلا بكرامة : هذا ليس ناد للتعر ....... الا يأتي الشيخ فيضع علي قلبه في قدميه لعلمه بوجود مؤامرة لا يمسك أي خيط منها.... الا ياتي ذلك الايرلندي المتعجرف ليثير جوا جنونيا خالصا في كل من يجلس.....و طبعا الا يخرج عليه صبحي بمفاجأة جديدة كوجود تجارب نووية سرية تحدث في القهوة دون علمه......كان نادر في حالة نشاط ملحوظة هذه الليلة فرشف علي قهوته المسائية المرو و هو يشد من أزره : عيني عليك باردة
رد نادر : ها أنا ذا عملت في المساء كما كنت تشاء لاحظ أن الزبائن يزيدون في وجودي
فرد علي : يبقي تشرف هنا كل ليلة و تريحني
رد نادر : حسب الظروف يا حاج
عقرب الساعة يقترب من الحادية عشر ببطء و نادر يشعر بشييء عجيب لا يفهمه الا هو ..... هناك شييء غريب سيحدث.... منذ ايام الاسكندرية و هذه الحاسة تنمو و تنمو و تنمو الي أن صارت حاسة بديلة للقلق الكامن في اعماقنا جميعا كبشر طبيعيين.....و بهذا فنادر لا يشاركنا جميعا -كمصريين- في حاستنا المكتسبة بفعل الجمود و هي ان الوضع علي ما يرام ... و لا يمتلك في ردوده ردنا الطبيعي بعد حدوث الجديد بأنه ليس في الامكان أبدع مما كان.... انت مثلا لو جلست هنا في ليالي بحري عدة مرات .... ماذا ستتوقع من الآتي : عدد الزبائن كثير.... و هم ينصرفون في الحادية عشر و صبحي مستاء من هذا .... و يتحدث في الهاتف كثيرا بعصبية و يهز رأسه كثيرا....؟
أجيبك بالاجابة المنطقية الوحيدة ليس لأنك لست شخصية خيالية في رواية... أو لأنني مضطر للنفي لكي أسرد المزيد لن تفهم من هذا شيئا
و هذا يساويك بجميع الشخصيات الخيالية هنا و هناك و هو ما ينفي بأنك في حاجة لأن تملك مهارة غريبة لتصبح أنت شخصيا محورا لأحداث ما في رواية مجهولة..... كانت أنف بينوكيو تتعملق عند الكذب أما نادر فعند توقع الجديد يصبح العالم بالنسبة اليه حدثا مسليا ... الصوت فيه يدور بنسق أهدأ من الصورة المكافئة.... الأصوات تتداخل مع بعضها تدريجيا لتصنع خلفية تجريدية للحدث نفسه.... و لأن هذا صعب بالنسبة لبشر عادي مثلك و مثلي فأنه من العادل و المنطقي ان يشعر باجهاد ذهني بلا حدود ... عقرب الساعة ممل و بطيء و لحوح كالأسئلة......عيناه معلقتان بالمدخل تحاول أن تجذب مزيد من التفاصيل ....... الجزء الوحيد الذي لاحظه هو أن الزبائن ينصرفون و كأنهم وفق جدول زمني محدد .... و يمكن ضحد هذا بسهولة أن اعتبرنا أننا جميعا معلقون برتابة عقرب الساعة.... و حينها لن يصبح هناك مفارقة
و اخيرا استقرت العقارب المملة الأصغر خلف الأكبر تماما بخانة واحدة معلنة الساعة الحادية عشر.... نظر علي الي الزبون الوحيد الجالس و تسائل في نفسه أين نادر كان هنا شاردا ساهما منذ دقائق عدة ذهب بنفسه الي ذلك الجالس و قال : سيدي لقد أغلقنا آسف
رد رجل قوي البنية نظراته نافذة علي نحو ملحوظ : أين صبحي ؟
و التقط من داخل حافظة جلدية علي الطاولة بادجا شهيرا و قال : المكتب الفيدرالي
توقف وعي علي لثوان قليلة و كأنه لم يكن موجودا يوما ما و هو يجيب بعد نحنحة طويلة : كان هنا منذ لحظات ماذا يمكنني ان أقدم لك ؟
رد الرجل ببرود فيدرالي : لا شييء أنا أريد صبحي فحسب.... هو يعلم اننا سنتواجد هنا الليلة
أخرج علي هاتفه المحمول بغيظ و طلب رقم صبحي كلمه بحنق شديد : اين أنت ؟
رد صبحي بلهجة حزينة عجيبة : انا في الخارج و في الطريق اليك
زمجر علي قائلا : المكتب الفيدرالي هنا يا استاذ ... نحن في مصيبة ... أتسمع أنهم هنا الله يخرب بيتك
رد صبحي بحزن عجيب : أنا أمام المحل
مرت ثواني بطيئة بسبب عقرب الساعة اللعين و ظهر صبحي أمام علي و ملامحه متقلصة و محمر العينان و قال لعلي : جواب من مصر
كان الجواب مفتوحا بالفعل فالتقط علي الورقة بداخله و قبل أن يقرأ حرف واحد فيها ارتفع صوت الفيدرالي قائلا : هيه يا صبحي ليس لدينا وقت لكل هذا الهراء نحن في عجلة
نظر صبحي خلفه علي امتداد القاعة ثم في غرفة الراقصة و بداخل الحمام و في انضباط رد علي الفيدرالي قائلا : كل علي ما يرام ... أدخلوهم
لم يندهش علي ... ليس لأنه يفهم شيئا ... لكن لأنه طالع الخطاب فاصابته رعشة طويلة ... جعلته يضع الخطاب في جيبه و يخرج بهدوء من المحل دون مراجعة الايراد مع نادر دون الاتصال بالمنزل ليحضر المشتروات دون ان يعرف حتي ماذا سيحل بالمقهي بعد انصرافه... وجه بصره نحو المباني و سار في عالم غريب يمتليء هما و حزنا و دهشة....... كل هذه السنين و الايام تمر كأنها سيارات مسرعة علي طريق مليء بالضباب ....أن الطموح يجلي النسيان فعلا.... كان يتمني أن يصير رجل أعمال ناجحا.... لتهنأ بنجاحك اذا ....و لتنس العالم الذي تعيش فيه ... دعه يفاجئك بأن والدك مات في الليلة السابقة علي بعد آلاف الأميال دون ان تراه منذ سنين طويلة... هل نفذت تهديدك ؟ اهنيك بالفعل أنت ناجح رغما عنه....و لهذا لن تراه ثانية.... لن تشم رائحة البخور في محله و لن تتناول قهوته التركية مجددا....كم هو سييء هذا الواقع عندما يحمل أحداثا تمت لنا بصلة و لا نعلم عنها الا بمجرد الصدفة ... مجرد ورقة صغيرة بتاريخ وفاة و ميعاد دفن و اعلام وراثة كافيين لأن يهيجوا عليك احزانك المختفية بفعل براجماتية مكتسبة من ذلك الواقع الرتيب علي الجانب الآخر...... لم يكن يدري ماذا يفعل لو بكي دموعا بقدر نهر الهادسون لما أكتفي و لكن الغريب أنه شعر بأن قلبه صار كالحجارة حاول أن يفتح فمه و لكنه لم يجد شيئا ليقوله ... شعر بأن قامته تتقوس و ووجه يشيخ و بوهن عجيب يقتلع البقية الباقية من وعيه.... فوجيء بنفسه يركب التاكسي الأصفر و يثرثر مع السائق في أمور لا يعرف عنها شيئا كان ينظر الي الأبنية و المحال و الناس و كأنه يراهم لأول مرة .... دخل منزله في كونكلين و تجاهل الترحيب المصري التقليدي من زوجته بعد عودته من العمل شعر بأن العالم يدور في هذه اللحظة ليؤنبه علي الزمن الذي لا يعرف فيم أهدره
سألته عطيات في قلق و هويجلس علي السرير :فيه أيه يا خويا ؟
تحدث بدون صوت قائلا : الحاج ابراهيم مات
لم تفهم شيئا من كلماته الوهمية و لكن من وجهه الميت ادركت ان مصيبة ما حدثت فقالت : فيه ايه و النبي رد عليا
أخرج الحاج علي الورقة من جيبه و ناولها اياها قرأت سطورها بسهولة و شرعا سويا في النواح
........................................
بالانجليزية و بحروف صنعتها لوحة مفاتيح الكومبيوتر أخذ بشير والي -والد محمد البشير- يطالع تلك الرسالة التي وصلته في التاسعة مساءا : مستر بشير يؤسفنا اخبارك بالتالي اولا أن ابنك محمد تم فصله من المدرسة العليا منذ شهر واحد و ثانيا بأننا كجالية عربية مستقيمة تخشي علي سمعتها و لا نرغب في اختلاط ابنك بابنائنا ليس لمستواه الدراسي المتدني و لكن لأن ابنك مرشد سري للمكتب الفيدرالي يقوم بتلفيق التهم للمهاجرين غير الشرعيين نظير مبلغ مالي.... و هو ما يهدد وجودنا بالاساس.... هذا بالضافة لأنشطته المشبوهة مع عصابة تسمي البي ال أو تورطت في عدة مشاكل ..... نحن نعلم انك شخصية محترمة في المركز الاسلامي ولهذا نعتذر بشدة عن أي ازعاج أو ان نكون قد أسأنا اليك... و نتمني ان تقوم بعمل اللازم قبل ان تأتي مزيد من المشاكل
استرجع ابراهيم بهدوء الكلمات القليلة الماضية التي لا يعلم أحد بها الا سواه و هو بداخل سيارة محمد ... تمني بداخله أن يراها والد محمد و ألا تضيع بسبب مفارقات ليست في الحسبان..... القلق الناجم عن الرسالة يمتزج بالقلق الناجم عن الانتقام من بانشو.... كانوا ثلاثة فقط في السيارة محمد البشير علي عجلة القيادة.... و سليماني بجانبه و ابراهيم في المقعد الخلفي يترصدون من بعيد بار " أنخليتا" حيث يخرج بانشو منه في الغالب بمفرده ليسير نحو منزله الذي يبعد أربعة بنايات..... غارقون في ظلام الشارع و لا يبدد صمتهم سوي رائحة الماريجوانا و صوت تدخينها من فم سليماني...... قطع محمد الصمت قائلا بقلق : هل انت متأكد أنه يخرج بمفرده ؟
رد ابراهيم مداريا قلقه : غالبا
صاح محمد بصوت منخفض : ماذا تعني بغالبا ؟ هل تريد منا الذهاب الي الجحيم بسبب معلومة غير مؤكدة ؟
رد ابراهيم و القلق يأكله : لو خرج مع أحد لن نفعلها أطمئن
ثم عاد الصمت يسيطر من جديد و فوجيء ثلاثتهم برنين هاتف محمد فوقعت قلوبهم أرضا و لكن محمد عاجله بضربة أخرست رنينه و تمتم في توتر : أنه والدي
ارتاح ابراهيم نوعا ما ... اذا يتبقي النصف الآخر من الانتقام سأله محمد بقلق : هل معك المفاتيح ؟
رد ابراهيم بسرعة : نعم اطمئن لن يسمع أحد صراخ ذلك الوغد في القبو
و بينما هم ينتظرون تذكر ابراهيم كارلوس : أفعلوا ما تريدون أنا خارج هذه الألعاب القذرة
ودندن ابراهبم : عندما كنت طفلة صغيرة سألت أمي ماذا سأصبح ؟ هل سأكون جميلة ؟ أم غنية فأجابتني : ما سيحدث سيحدث المستقبل لا نراه
من المقعد الأمامي قال سليماني : حسنا يا عزيزتي هاهو بانشو مفردا هيا بنا
ثم فتح باب السيارة و سار في الظلام أسفل الأشجار متعمدا.... وصل الي بانشو فحياه قائلا : هولا....بانشو
التفت اليه بانشو نصف مخمورا قائلا بحدة : لا تتحدث كمسيكي مخلص ... ألست أنت سليماني رفيق هؤلاء المخنثين في المدرسة ؟
رد سليماني بضحكة مفتعلة : أنا صديق لكل من يعطيني سيجارة ماري يا رجل
كان سليماني ينظر الي خيال محمد الذي يتمدد خلف بانشو فقال : و لكن المخنثين امثالك أظرف بكثير
قبل أن يعلق بانشو هوت علي راسه عصا البايسبول ففقد الوعي خرج ابراهيم من الظلام و تعاون الثلاثة يسرعة لوضعه في حقيبة السيارة
جلس محمد في قلق و قال :هل انت متأكد من أنهم غلقوا المقهي ؟
رد ابراهيم : نعم .. هل أحكمت وثاقه جيدا؟ رد بدوره : نعم و لكن لنتحرك سريعا
تحركوا بالسيارة في هدوء و عيونهم تتعلق بألوان سيارات الشرطة في الشوارع كان القلق يتناسب مع سرعة جريان السيارة و لذلك عندما توقفت هدأوا جميعا.....هبط ثلاثتهم في الشارع الخال من المارة ونظروا عدة مرات الي الأبنية ثم فتحوا الحقيبة و هنا تحداهم القدر ساخرا كعادته بمشهد مريع لم يتوقع أكثرهم تشاؤما حدوثه..... كان بانشو مستلقيا مكمما و الدماء تغرق صدره و وجهه و البطانة الداخلية للسيارة و بذهول صنعه الخدر قال سليماني : كلا .... يا الهي لقد قتلناه
.....................................
شرحنا سابقا كيف يمكن لورقة صغيرة كتبها أحدهم أن تهيج مشاعر سنين طويلة أخفيناها عمدا...... أن الورقة الأولي التي جاءت من الأسكندرية تحمل حدثا منتهيا هناك شخص ما مات كان عزيزا علي أحدهم هناك علي بعد آلاف الأميال......و لكن هل هذه هي نهاية المطاف ؟
كلا بالطبع فالمصائب عندما تأتي تأتي مجتمعة.... هو نوع من العقاب ربما........ليس لأننا فعلنا شيئا محددا ..... و لكن ربما لأننا لم نفعل شيئا ما سابقا....... هكذا هو الواقع......... مريض..... اذ ماذا نطلق علي من يتسلي في توجيه ضربات طعنية لشخص ميت بالأساس ؟
لو أن الواقع ثابت كمشهد الجبل أو مجنونا كالعواطف و الغرائز الأساسية أو رتيب كالزمن لما أصبح هناك ما يكتب و لصارت رغبتنا المحمومة في أن نعيش مزيدا من الوقت هو ضرب من الخيال في حد ذاته..... كنا سنخرج في مظاهرة مناوئة للتكرار... الواقع مثله مثل أي شخص يمسك بزمام الأمور من بدايتها متسلط.... متعجرف.... و منطوي لا يعلم أحد عنه شيئا الا لو عبر ذلك الحد الفاصل بين دائرة الحدث و دائرة الفرجة ...... لنعد بالاحداث مجددا..... الحاج ابراهيم مات و علي يخبر زوجته ثم بكياه طويلا - وان كانت عطيات هي من تولي الشق الصوتي من عويل و لطم و خلافه- بعده سألته بتعب : حنعمل ايه يا أخويا العيال عندهم امتحانات ؟
هنا سأم علي ذلك المتسلط المتعجرف الذي يعيشه و قال باختياره الحر : حنرجع الأسكندرية
بهتت زوجته و قالت : و الشغل و العيال و الجنسية اللي احنا مقدمين عليها
رد هو و هو يغالب عبثية طالما تمنينا جميعا قهرها : مش مهم .... لازم نرجع أنا تعبت
ثم و بلهجة آمرة :فين ابراهيم و عائشة ؟
ردت و هي تدعك عيناها من الدموع التي جفت سريعا : ابراهيم مع أصحابه و عائشة نايمة
رد هو بهدوء : صحيها
نعم ..... لا مزيد من تحاشي الواقع و الانغماس في الاحلام .... الاحلام تجر في ذيلها التنازلات........ فوجيء بصرخة من غرفة عائشة هرع علي اثرها الي الحجرة وجد زوجته مستلقية علي الأرض بمفردها و تشد في شعرها و تلطم و ورقة أخري ملقاة علي الأرض .... حين تملك خبرة و لو ضئيلة مع ذلك الواقع العبثي الذي نحياه جميعا -علي الأقل هنا- ستندفع المشاهد الافتراضية في رأسك و كأنها يقين أبدي .... و لكن لأنك أقل بكثير من أن تتحدي ملا تراه-بل تعيشه- سترفض و ستتمني أن تقبع بداخل دائرة الفرجة .... أمسك بالورقة الصغيرة و قرأ بينه وبين نفسه محاولا خداع طرف ثالث لا يعرفه -نعرفه نحن القابعون في دائرة الفرجة علي أنه المستقبل- والداي العزيزان..... رحلت في بداية هذا المساء الي حيث ينبغي أن أكون .... مستقلة.... أغالب دمعي و انا اتخيلكم تتناولون طعام العشاء بدوني ... أنا أحب شخص ما... هو أمريكي لن توافقوا عليه حتي في حياة قادمة..... أنا أحبكم جميعا و لكنني غيركم أنا لن أعيش كما يجب أن افعل ....بل كما أحب أن أعيش و أعتقد أن هذا عادل لكلينا أنتم تعيشون في ولاية كمصريين مغتربين و أنا أعيش في ولاية أخري كأمريكية مغتربة.... ساهاتفكم بعد أن تهدأوا و بعد أن تتوقف محاولاتكم في البحث عني........عائشة
جلس علي ارضا بجانب زوجته المنهارة لم تكن تعي كلمة واحدة من الخطاب و لكن تفكيرها البسيط لم يكن يقدر علي خداع نفسها حتي.... سألته بحزن ذابل : هي عائشة راحت فين ؟
مط شفتيه و هو صامت و دموعه تنهمر.....ثم نهض واقفا و امسك بكرة زجاجية بداخلها تمثال الحرية علي مكتبها و القاها أرضا لتتحطم بدوي مسموع....و هنا فقط صرخ صرخة طويلة فقد علي اثرها الوعي
..................................
في موتيل بعيد علي بعد ثلاثة كيلومترات من مطار نيوارك كانت عائشة تجلس في جو شبه احتفالي تتذكر كيف خرجت من كونكلين...... الظلام الدامس و الصمت الأبدي للشوارع لا يقطعه سوي صوت عجلات الحقيبة الضخمة التي تحملها و مشاهد المنزل الداخلية..... كان ويسلر في انتظارها علي بعد ثلاثة بنايات كانت تتحاشي النظر اليهم كي لا تهيج ذكرياتها مستفبلا... وصلا الي الموتيل و دخلا في هدوء و كأنها لم تهرب مطلقا.....كان جلوسها بشورت منزلي في وجود ويسلر حدثا استثنائيا في حد ذاته.... كانت تشعر بخجل لا تدري مصدره قاومته مرارا و تكرار أما ويسلر فجلس بسرواله الداخلي الملون و كأنه لا يراها.... سألها برقة : ألن تنامي لتحصلي علي قليل منالراحة أن الرحلة الي كاليفورنيا مرهقة نوعا ؟
تظاهرت بمشاهدتها للتلفاز مي لا تري جسده العاري و قالت : بالطبع بالطبع ... حينما ينتهي ساينفيلد
سالها مجددا : هل رتبت كل شييء في كاليفورنيا ؟
ردت بضحكة : لا تقلق كطفل صغير .... عمتي كلمت أحد معرفها في كالتك و سيسجلون أسمك الفصل القادم من حسن حظك أن درجاتك ممتازة و كذلك أوراقي ستنقل صباحا الي احدي المدارس هناك في ماليبو بالطبع ساقابلك يومين أسبوعبا في اجازتك الأسبوعبة...... و لكنه أفضل من التلصص
مر الوقت بطيئا للغاية عليها كانهو مستلقيا في الفراش شبه نائم أم هي فظلت تقاوم شعور العذرية طويلا قبل أن تجمع كل قوتها -باعتبارها مستقلة- و تذهب لتنام بجواره كان الظلام يخيم علي الحجرة.... لذلك بدا صوته مكبرا ثلاثة مرات و هو يقول متحسسا عنقها : اوحشتيني كثيرا.... ثم قبلها شعرت هي بقشعريرة رهيبة تسري في صدرها و جلدها و أسفل ملابسها الداخلية و ردت بصوت مبحوح : و أنت أيضا
أمسك صدرها ووضع وجهه بداخله و لكنها لا اراديا دفعته برفق بعيدا فقال بضحكة : حسنا انا أتفهم .....هذه أول مرة
أرتفع جسده تحت الغطاء و هبط عليها بحيث لا تجد مهربا و جرده من ملابسها بسهولة و يداه ترمحان في جسدها من القمة الي القاع.... كانت تشعر بأطنان من الدماء تسري في وجهها و لكن ما أن وضع يده علي شفرتيها المصريتان الحادتان حتي تلاشت حواجزها القديمة و قبلته قبلة طويلة لا ارادية..... احتضنته بدفء عجيب يميز مثيلاتها في الاسكندرية بعد فض بكارتهن.... كانت تسعي للتمسك به بعد أن صار هو سر ميلادها الجديد كامرأة بالغة ......في غياهب النشوة تختفي رائحة العرق تختفي قوةعضلات ذراعيه القابضتان علي وسطها.....كان يضع واقيا ذكريا بلاستيكيا كما تعلم كلاهما في حصص الصحة العامة.... لم تتقزز من الواق الذكري لأنها لم تجرب العضو التناسلي مجردا كقريناتها الاميركيات..... مؤسف حقا أن تكون تجربتك الأولي مغلفة.... و لكن جهلها بالعملية واقعيا .... جعل في كل اختراقة سعادة بالغة..... و ما أن أنتهي ويسلر من الكر و الفر حتي نام بجوارها و وضع رأسها علي صدره..... كان يشعر بشييء عجيب .... يشعر بأنه حقير ليس لأنه نام مع فتاة للتو و فض بكارتها-فلقد فعل ذلك مرتين سابقا- و لكن لأنه لااراديا شعر بأنه أجبرها علي ان تفعل ذلك.... أن تهرب من عالمه .... من قواعدها... فقط لكي ينال شرف مضاجعتها.... شعر بأنه بائس و أناني و لكنه اكتفي بالصمت .... ذلك الصمت الذي لم يدم طويلا ... فبعد انقشاع النشوة يهبط الواقع مجددا بثقل ظله البغيض.... شعرت بأنها أرتكبت شيئا فظيعا للتو هل فعلت كل ذلك كي تنام مع ويسلر ؟
كان من الممكن أن تنام معه في ربوع نيويورك كلها و أن تتظاهر بأنها عذراء كما تفعل الكثير من الفتيات العربية.... تخيلت وجوه أسرتها تحلق في سماء الحجرة السوداء غاضبة فنزلت دموع ساخنة صامتة هبطت علي صدر و يسلر .... لم يتمالك الواقع نفسه وهو جالس في زاوية مجهولة في الحجرة و ضحك بصوت عدمي و هو يشير الي فم ويسلر الذي قال لها : لماذا تبكين الآن ... نحن مازلنا سويا ؟
ردت هي بهدوء باك : لا أعلم ...ربما لأنها أول مرة
شعر ويسلر بضميره يلتهب و يخنق حلقه فقال : و الآن نامي و سنتحدث غدا طويلا
في الصباح استيقظت علي السرير بنشاط كانت تشعر بأن الشمس اقرب مما ينبغي بسبب دفء الحجرة-و هو شعور مماثل عند السكندريات في اليوم التالي لممارسة الحب-قامت و غسلت وجهها و عادت الي الحجرة الصغيرة كانت تعتقد أن ويسلر يشتري الفطور فموعد الطائرة مازال علي بعد ثلاثة ساعات توجهت الي المرأة لكي تتزين-كامرأة حقيقية- لاحظت تلك الورقة الموضوعة في الشق الصغير بين المرآة و الاطار الخشبي جذبتها في قلق زائف وطالعت كلماتها في عدم تصديق : حبيبتي عائشة .... ظلمتك كثيرا كثيرا.... لن نصلح سويا انا اعلم هذا .... كل التفاتة غريبة مني ستصبح بالنسبة اليك المرة الأولي ... أنا أقل بكثير من تضحياتك الرائعة..... قد احتمل أن لا أراك و لكنني لن أحتمل أن أكون أنا الوحيد في حياتك مصدر خسارتك لنفسك..... تركت لك كل ما معي من مال انا استقليت الباص الي بنسلفانيا..... وداعا
نعم كل شييء في دائرة الحدث ثابتا ..... ورقة صغيرة كافية لتهيج مشاعر طالما أخفيناها طوبلا.... حتي لو تظاهرنا بأننا أقوي من جبل ثابت... أو أشد جنونا من العاطفة .... أو حتي أكثر اختلالا من ذلك الواقع العبثي... الذي نطالعه من دائرة الفرجة
...............................
يتبع

Monday, June 15, 2009

خمسون نجمة و نسر.................13

الرجوع من الخلف




الصور




تبدو الحياة الحقيقية دوما أشد بخلا بالصدف من الرواية و الأشكال الأخري من التخييل الا مع قبول ان مبدأ الصدفة هو المحرك الوحيد و الحقيقي للعالم و في هذه الحالة فان ما يعاش و ما يكتب يجب ان يكون له الثقل نفسه و بالعكس




من الآخر مثلي ل جوزيه ساراماجو




.............................






لم أعد احتمل ان يكون مصدر التسلية الوحيد هو السرد للذات أو عنها لابد من جديد ان تصير الصور و المشاهد التي أحملها نسيج حقيقي أراه و يراني..... طبعا انا لم أقل له هذا مباشرة و لكن التفخيم علي الورق عادة سردية ذميمة أقاومها قدر المستطاع ما قلته له كان الآتي: بصراحة.... انا أجد كل ما رويته لي علي مدار السنين السابقة يصلح نواة لعمل روائي




و بعد أن خرجت الصور من رأسي علي الورق كان لابد ان يري تلك النواة التي حدثته عنها علي الأقل الجزء الخاص به




علق هو بهدوء بعد أن قرأه : خراء.... جيد ككلمات مرصوصة و لكنها تفتقد الي الروح..... تذكرني بالتهاويد التي نرويها للاطفال قبل النوم




أخرجت له نسخة حقيقية بعد ان قرأ مسودة تتحدث عما يخصه هو فقط و قلت له : جيد جدا الآن أقرأ تلك الاوراق




وعدني بقراءته فيما بعد عندما يستفيق من الشراب و ظللنا نثرثر عن أحداث أخري تصلح لرواية اخري.... مدهش هو هذا الرجل شخصيا اراه بطلا حقيقيا أكثر من بطولته علي مجرد ورق قد لا يقرؤه أحد يوما ما.... سيتسائل قلة لماذا لا يكتب هذا الشخص كما هو موجود في حياتنا ؟ الاجابة ببساطة انه بعد أن تعيش حياة معينة لفترة طويلة تفتقد حياتك الي الصدفة و بالتالي لاجديد تحت الشمس و مادام لا يوجد جديد لن توجد تلك القوة الدافعة السردية.... تلك الروح الكامنة بداخل النص و التي تجعل منه -ان اكتمل- كيانا مثلنا جميعا يتنفس و يعيش و يري, يرانا باهتين مفتقدين لروحه المشوقة...... باهتين كدخان السجائر التي اطفأها لتوه الآن في المنفضة




.........................




ماذا ستفعل الآن اتمني الا تكون تفكر الآن في ان هذه نهاية العالم.... صدقني كل حدث مهما بدا قويا و مؤثرا سيتحول الي ذكري في النهاية الي صورة قديمة تنظر اليها و يللعجب قد تبتسم عندما تسترجع موقفك الآن... هييه فيم تفكر ؟




افيق ابراهيم من الوجوم و الصمت منذ ان تحدث الي والد هيذر علي صوت كارلوس اللاتيني.... و أجاب باجابة قاطعة : لا شييء... لست ادري




قال كارلوس مداريا ألمه و عجزه عن مساعدة صديق طفولته : اما أنا فأدري ستواصل عمل الشييء الوحيد الذي لم يتغير في سلوك البشر جميعا.... النسيان




نظر اليه ابراهيم و صمت وواصل كارلوس : ستنسي و ستلتقت الي حياتك يا رجل الامتحانات قريبة للغاية و ستحتاج لمجهود لكي تعبرها




بدا الغضب علي وجه ابراهيم : اتعلم ما اكثر ما يؤلمني ؟ ان الجميع تضافر لافشال الموضوع بانشو بحماقاته و محمد بسمعته السيئة التي لطخني بها ووالد هيذر بمنطقيته..... و هيذر نفسها نعم هيذر بضعفها و غموض ما تريده من الارتباط بي وطبعا انا بسلبيتي و تشتتي و



رد ابراهيم بحسرة مماثلة : لا مجال للقسوة علي مجددا .... القسوة ستكون من نصيب ذلك العالم الرديء




تسائل كارلوس و نبرة صديقه لا تريحه : ماذا تعني ؟




ترددت عبارة والد هيذر الأخيرة في رأسه بانها ستسافر الي كولومبيا في الاجازة مضخمة و صداها يلتهم صبره و قال لكارلوس : طالما حاربني الجميع اذا فالحرب علي الجميع




ابتسم كارلوس محاولا تخفيف الموقف و قال :هل ستحارب المكسيكيين في نيويورك ؟ فلتذهب للشرق الاوسط يا هذا انه حل أسهل بمراحل




قال ابراهيم : يكفيني مكسيكي واحد ... بانشو




قال كارلوس : من تقصد بالجميع اذا ؟




رد ابراهيم و خياله ينطلق الي رحب الكراهية الفسيح : محمد ذلك المدعي الأفاق




اندهش كارلوس و قال : و من وراؤه البي ال او... هل تهذي ؟




رد ابراهيم : كلا ولي وقت الهذيان... محمد الذي ينصب نفسه خليفة للمسلمين في البروكلين جاسوس للمكتب الفيدرالي يا صديقي يجب ان نسير من هذا الطريق




قال كارلوس: و هل تظن انه سيتركك تعبث بمعلومة كهذه ؟ انا اعلم مثلك منذ ذلك اليوم الذي كنا سنحتجز فيه و لكن لاحظ ان باقي المعلومات تنقصك هناك فارق بين محاربة شخص و محاربة عميل للمكتب الفيدرالي




قال ابراهيم بحيرة : هذا ما أفكر فيه الآن ... و لكن بانشو لدي بشأنه خطة




و التقط هاتفه المحمول و انتظر صوت محدثه : مو ... انا ابراهيم انا عند كارلوس في المنزل تعال فورا لدي موضوع هام للغاية... هييه ليذهب سليماني للجحيم تعال يا رجل الموضوع خطير جديا... منتظرك




اندهش كارلوس و قال لابراهيم بعد ان أنهي المكالمة : انت مجنون ستتشاجر معه هنا في منزلي... كلا لا




قاطعه ابراهيم قائلا : اطمئن انا لن امسسه بضرر بل بالعكس أنا ساعامله بلطف شديد فأنا أحتاجه




رد كارلوس قائلا : كيف ؟




قال ابراهيم ببساطة : عندما سيأتي ستعلم




انتظر التساؤل وقتا غير محدد حتي أتت الاجابة و طرقت الباب و دخل محمد البشير الي الشقة قائلا بضجر : هيه يا ايبرا ها قد جئت ماذا تريد مجددا؟ افترض انك قلت لي سابقا انك تريد فترة بمفردك بعد ما حدث




في نفاذ صبر قال ابراهيم : بانشو




رد محمد : ماذا عنه مجددا ؟




قال ابراهيم و وجهه يسود من الكراهية : سنتخلص منه




بهت محمد و كارلوس وربما الأثاث في الحجرة نفسها و ضحك محمد في عدم تصديق قائلا : هل تعني ما تقوله ؟ اتمني الا يكون اكتئاب ما بعد الصدمة افقدك عقلك .... انت تريد الدخول في مسألة دم مع المكسيكيين... هذه حرب ثقيلة علي عصابات الزنوج ما بالك بنا




قال ابراهيم بسخرية : السنا نحن البي أل أو ؟ نحن من يدير نيويورك كما كنت تصرخ في شجارات المدرسة ... أم انك كنت تبيع لنا الوهم ؟




بعصبية قال محمد و هو يشعل سيجارة : هناك فارق بين الشجار و الدم يا رجل




قال ابراهيم بهدوء : انا سأخبرك بشييء جيد .... الشجار مع هذا الحقير لن ينتهي الا بدماء اذا لتكن المبادرة منا... خصوصا و ان المكسيكيين انفسهم لن يعلموا اننا قمنا بها




قال محمد بدهشة : لديك خطة اذا ؟




قال ابراهيم بعد تنفس عميق للغاية : نعم أسمعوني جيدا




...............................





المبني الزجاجي لفاينانشال كورب أنيق للغاية يعبر بحصافة مدروسة عن الشعار الرسمي للمجموعة المالية و عن العبارة المعلنة عن سياسة الشركة المكتوبة أسفله : انت تقرر و نحن نستثمر و لا يعبر عن الواقع الحالي للشركة فالشركة بدلا من ان تشهر افلاسها سارعت باتمام صفقة بيع لمستثمر سعودي صغير السن نسبيا لتتخلص من الديون التي سيشتريها ذلك المستثمر كما اشتري المبني الزجاجي ... و ها هو الشيخ السعودي يجلس في الطابق الأول في قاعة الاجتماعات خلف كلمة العضو المنتدب -فهو صاحب الحصة الغالبة- و من حوله عدد من مديري الاقسام و سكرتير المجموعة جي بي سانيول ذلك الذي بدأ متأففا من علامات العرق علي قميص الشيخ التي تشي بدهون مهولة تحت جلده و ببراجماتية امريكية بحتة وجه كلامه للشيخ قائلا : الاجتماع مع الدائنين تم ترتيبه.... انهم يتوقعون الأفضل تحت مجلس الادارة الجديد و يقولون انهم علي استعداد تام لخفض الفوائد علي القروض في حالة انهاء الديون هذا العام.... هذا العرض هو الأفضل في وجهة نظري



قال الشيخ بهدوء : هناك اشياء اضافية سنخفض من الانفاق أيضا.... فواتيرنا باهظة للغاية... و لا تتناسب مع وضع المجموعة الحالي



رد سانيول باستغراب : نخفض الفواتير كيف ؟





رد الشيخ و هو يدير قلم من الحبر في يده :لا اجابة محددة ... لا تشتروا قهوة غالية للعاملين ... اسحبوا هواتفهم المحمولة الخاصة بالشركة... سنزيل بعض من النيون في الداخل ... لا اعلم سر تواجد النيون بالداخل و لكن هو ابعد ما يكون عن الدعاية.... لا داعي لتواجد الكافيار علي موائد اجتماعاتنا .... نحن غارقون في الديون ايها السادة .... و سأجرد الجميع من امتيازاتهم الاضافية حتي نقوم علي ارجلنا.... لا مزيد من العبث..... و عليكم مساعدتي



زفر سانيول في حنق : و لكن هذا سيثير حنق العاملين



رد الشيخ بلامبالاة: هذا جيد فمع كل تغيير هناك اختبار للولاء... لا توجد فرصة أفضل



تململ أحد المدراء علي مائدة الاجتماعات و قال : و ماذا عن الكفاءات التي قد نفقدها بسبب سياسات خرقاء كتلك ؟



تجاهل الشيخ كلمة خرقاء ليسمع ما وراءها قائلا : في امريكا الكفاءات متقاربة ... المهم الولاء



رد نفس المدير : أهكذا تديرون اعمالكم في الشرق ؟ حسنا هنا الأمور مختلفة لقد انتهت العبودية هنا منذ زمن



ابتسم الشيخ في استفزاز قائلا : يمكنك ترك العمل اذا شئت



قام المدير بهدوء و فجأة ألقي أوراق تقريره في وجه الشيخ و بصق عليه صائحا : اللعنة عليك و علي العولمة التي اتت بلص صحراء مثلك الي نيويورك



ثم غادر القاعة و ركل كرسي في طريقه أما الشيخ فقد أخرج منديله الحريري و مسح وجهه و قال للجميع : هذه هي سياستنا لن نتراجع عنها من يرد اللحاق به فليكن.... و تذكر كلمة لص الصحراء و هو يقول : و الآن انصراف



أنصرف الجميع يهمهمون أما المدير فقد تصاعد قلقه و تساؤله من جيبه فضغط ازرار هاتفه و قال لجيفري : ماذا فعل المصري في الموضوع ؟



رد جيفري بلهجته الامريكية : لا شييء أنه يعمل ... هكذا قال



أنفجر الشيخ غاضبا : كيف؟ كل دقيقة تمر و الخطر يخنقني ذلك الحقير آرون مختل و سيتسبب في مشاكل جمة هل تعلم أنهم قد يجمدون أرصدتي هنا و ينهار كل مالدي بسبب مهووس ليس لديه ما يخسره



ردد جيف و كأن لا شييء في العالم يحدث : و قد تربح كل شييء بسبب شخص ماهر ليس لديه ما يخسره كنادر



غضب الشيخ من لهجة جيفري اللامبالية و صاح : استعجله ... أدفع المزيد أفعل أي شييء



رد جيفري بهدوء : أن سر نجاح نادر هو أن تتركه يعمل بمفرده لا أن تملي عليه ما يفعله هل تفهمني ؟



أنفجر الشيخ غاضبا و قال : هل تعني أنك لا تستطيع أن تتحكم في من يعملون تحت أمرتك ؟



ابتسم جيف في قرارة نفسه ساخرا و قال : كلا يا شيخ ... في امريكا ندع الكفاءات مثل نادر تفعل ما يحلو لها... و نراقبها من بعيد فقط



..................................




في بروزو جلس ويسلر أمام عائشة مجددا قائلا باستغراب : انا ذاهب لبنسلفانيا و تريديني أن أذهب معك لكاليفورنيا ... لماذا لا نغادر هنا فحسب لماذا الي كاليفورنيا ؟



ردت عائشة بعصبية : نحن لن نغادر أنت ستغادر ... أنا سأهرب لاحظ أنني أضحي من أجلك و عليك أن تفعل المثل



تمتم ويسلر مجددا : لماذا كاليفورنيا مجددا ؟



طافت عائشة بعقلها في هدوء .... أن التمرد هو ماليبو رئيفة التي تقبع دون نزاع داخلي بين ما تكون و ما ينبغي ان تكون... بين ما داخلها أصلا و ما زرعوه داخلها في الصغر .... هذا الشعور مثله مثل أي شييء سيتلاشي... اذا ليتلاشي الآن قبل أن تصير عجوز مغتربة التهم ملامحها تساؤل يلتهم كل المغتربين و المغموسين في عزلتهم.... من أنا ؟ من سأصبح؟ لا أحد يسأل ماذا كنت ؟ هذه الأسئلة تذهب في زمن السؤال حيث يقبع كل مهمل و كريه.... أن الماضي يفرض هذا لاشك فيه أما المستقبل و الحاضر فمن صنع يدينا...و علي هذا فلا داعي للدخول في كليشيهات معقدة حول الهوية ... و اذا كنا سنصنع المستقبل بيدينا فعلينا أن ننفض عنها الغبار



قالت عائشة لويسلر : في كاليفورنيا لدي عمة معها الجنسية و لديها نفوذ قوي في ماليبو سأكمل دراستي هناك و أنت كذلك.... ستجعلنا نختفي فهي تعلم قصتنا و عانت منها سابقا



تمتم ويسلر : هل رتبت معها أم أنك تفترضين ؟



ما تفعله خطر للغاية فهي تنتقل من التبعية الشرقية التقليدية لأبيها و أخيها من بعده الي اللاتبعية .... و اللاتبعية تعني شيئا واحدا بالنسبة لمهاجرة البؤس و صورة لأبيها علي الكومودينو بجانب السرير كما تفعل عمتها.... أن الخطر لا يصبح خطرا عندما نتحدث عنه بل عندما نعيشه... و هاهي تطلق صرخة الحياة الاولي في عالم التمرد الذي لا يحمل الا الخطر



قالت له : لا افتراضات لن أهبط في كاليفورنيا الا علي أرض صلبة



شعر ويسلر بحزن خفي استغربه شعر بأنه قد أجبر عائشة علي كسر التقاليد .... في عالمه القواعد صنعت لنكسرها و لكن ليس علي رأس من نحب.... حاول ان ينفض ذلك الهاجس مرار و تكرارا و لكنه فشل فقال لعائشة : هل انت متاكدة في ان هذا ما ترغبين فيه فعلا ؟



dead sure:ردت عائشة بيقين أمريكي



.....................................


هكذا يعامل المصريون مرضاهم هذا هو المقال الأول الذي انتظره سمير ينشر في النيويورك تايمز تحت صور مزرية و أشدها ايلاما لشخصية وطنية -سرا- كسمير هي صورة القطة القذرة بجانب وحدة غسيل الكلي.... الاسكندرية في عام ألفين بائسة حزينة تحمل هما تلقيه زحاما في شوارعها و دخانا في سمائها و سبابا بين أهلها... كل من يعرفها جيدا يدرك و لا يريد ان يخبرنا نحن السكندريين ان المدينة اصابتها الشيخوخة .... تتبول فسادا لا اراديا و عشوائية و تهتز يدها فتسقط كل جميل ليتحطم أرضا بأنين مكتوم.... الانتخابات تدور في سبتمبر في الحرارة لتعلن حمي تجتاح جسدها... و جحافل الرعاع من الأقاليم تغادرها بعد أن أزالت تبرجها الايطالي اليوناني الباريسي


يبدو أن مطالب المهووس السكندري (جمال الدولي ) بأن يصير هناك تأشيرة دخول لها عادلة..... الصراخ و العويل و السباب هو أهم الخطب الانتخابية هناك أسلحة بيضاء و سوداء و من كل لون ترفع في يوم الانتخابات... عائلة السواركة صنعت ائتلافا بلطجيا ممتازا في دائرة الجمرك حيث يقبع الفلكي في انتظار نتيجة معروفة مسبقا... أكياس اللحوم المجمدة تلقي علي رؤوس المحتاجين -للطعام لا التصويت- الوجوه غاضبة محمرة بسواد و ألوان الشوادر الانتخابية تعلن وفاة الاختيار من متعدد.... كوميديا مملة و سوداء بلون الكوبيا اللون الرسمي للتصويت..... بداخل نفوذ الفلكي يسير نادر باعتباره الابن حامي الحمي و بداخل نادر يسير اليأس و الحزن علي الأوضاع كل شييء اسوأ حتي قبل أن يهبط الي أرض القاهرة.... في تربة عطنة مملؤة بالرطوية في جو حار كهذا ينمو سوء الظن و يترعرع و يخرج الأمر من عقل نادر الصحفي النشيط الي كاميرته الرقمية الصغيرة للغاية لتلقط صور عديدة للانتخابات الفلكلورية التي صنعت خصيصا من اجلك عزيزي القابض علي العالم في واشنطن لتعلن نجاح مدك الليبرالي و بأن الجميع سيصبح مسخا منك..... اعطنا المعونة الغير مبررة نعطيك ولاء غير مبرر.... جاؤه رنين الهاتف ليقطع أفكاره و قال محدثه و هو محامي والده بالمناسبة : ايه الاخبار عندك يا استاذ؟


رد نادر و هو يلتقط صورة لعسكري يضرب أحد "مثيري الشغب" بسخرية :مية مية


و أنتهي العرس-و هو كلشيه وطني مثله مثل الشفافية- بفوز الحاج الفلكي الذي تعلم الحكومة دائما أن شحمه ورما منذ أيام الرئيس السابق


و أنه مثل أي سرطان يمص من حوله ليدعه هزيلا.....هكذا ترك الفلكي بحري سقيمة مهترئة مزعجة بكلابها الضالة من السواركة و سكان الحواري فقط لينمو و يتضخم.... ترك نادر الشوادر تخرج لسانها من أجله و توجه نحو الكورنيش الذي يجلس عليه المطحونون بعضهم واجم و بعضهم ذاهل من لاشيء كأن العالم الذي يعيش فيه قد وجده فجأة..... نعم لقد ملهم لقد كان مغتربا و سيظل مغتربا .... هنا بعد وهلة و هناك بعد فترة... الفارق الوحيد في التغير الشخصي هناك الابداع ينتشر مع لقاح الزهور في الهواء.... هنا الفساد يمنع وصول الغذاء الي الازهار فتذبل و تموت تلك الازدواجية تجاه الخارج و الداخل عادة أصيلة في المغتربين-و خاصة المصورين منهم- و بدون أي ترتيب مسبق أتي شاب في منتصف العشرينيات من عمره سائلا نادر اذا ما كان يريد ركوب قاربه الصغير كان هذا هوالطفل الذي أجر منه نادر القارب منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما.... لم يعرفه نادر و لم يعرفه الشاب و لكن يكفي أننا نعرف كلاهما

و مجددا أخذ نادر يجدف و يجدف متجها نحو نفس البقعة القديمة حيث كانت الاسكندرية تري جميلة من بعيد في الثمانينات من القرن الذي ينتهي الآن بخيره و شره و نظر نادر مجددا الي قبة مسجد أبي العباس المرسي و لكن اجبار التكرار هذا لم يستمر المنظر من الداخل لازال كئيبا من يشوون الذرة صنعوة هالة كربونية خانقة لم تعد هذه هي المدينة التي نحبها من الخارج و نمقتها في الحواري.... هذه هي الشيخوخة

اختفاء الجمال داخليا و خارجيا.... لم يجلس طويلا كالمرة السابقة و لم يشرب كالمرة السابقة.... الواقع أسوأ من أن ينساه ....ذهب الي منزله حيث يقيم معه سمير الآن و فوجيء بالأخير غاضب للغاية ممسكا بنسخة من التايمز بالابيض و الأسود اشتراها من محطة الرمل و سأله ما هذا؟ رد نادر و كانه سرق سيجارة من علبة أبيه :كما تري ... تحقيقي الأول الذي انتظرته طويلا

ارتفع صوت سمير غاضبا : هذا اسخف شييء قرأته في حياتي.... ماذا سيتفيد قاريء التايمز من معرفة وضعنا المزري
رد نادر بهدوء : الحقيقة هدف مطلق في حد ذاته يا عزيزي
ابتسم سمير غاضبا في سخرية قائلا : و انت خير من يصل لحقيقة مطلقة..... اراهن انك لا تعرف لماذا تفعل هذا
قطب نادر قائلا : انه عملي الذي اتقاضي عنه مرتبي.... هذا ما علمتني اياه الايام
رد سمير بحزن : هذا مؤسف... ان تصبح انت الآخر مسخ فهذا مؤسف
ثم تسائل : و هل تظن ان رجال الحكومة سيتركونك تعبث ؟
ابتسم نادر قائلا : و من يعرف ان اسمي المستعار في التايمز هو كريس ايجل ؟
غمغم سمير : لا اعلم كيف و لكنهم سيعلمون ... هم لن يحتملوا الفضائح امام الحكومة الامريكية
ضحك نادر طويلا ..... المؤسف ان سمير يعتقد ان العالم يسير كما ينبغي ان يسير و لكن هذا لا يحدث فالحكومة التي يظن انها تخشي علي موقفها امام القطب الامريكي لن تفعل شييء لسبب بسيط أن وضعها الحالي يخدم القابعون في واشنطن تماما.... و هو يعلم هذا جيدا و علي الرغم من هذا يرسل الصور ... لماذا ؟
ليس من أجل ألوف من الدولارات و لكن لأن ما يراه هنا يجب أن يراه الجميع ..... الولع بالفضائح غريزة في كل الغرب حيث الحياة الرتيبة المنضبطة و موجود شرقا حيث النفوس مليئة بأحقاد ملتهبة لا تطفيء جذوتها الا رؤية فضائح تحدث للآخرين
اخرج نادر الكاميرا في غرفته كي لا يراها سمير و ضغط زرها و استخرج الفيلم الرقمي و تخيل باتقان شكل التحقيق الصحفي القادم و حسب احتمال الخطر فلم يستقر علي نسبة نظر الي هاتفه المحمول و كان محامي ابيه يتصل به و تمتم : عالم مريض
............................
يتبع

Friday, June 12, 2009

خمسون نجمة ونسر.............12

الهبوط: الأشكال



وقف آرون يرتعد في بذلته الشرطية الكحلية أمام مطعم بروزو فبعد دقائق عدة سيأتي آري لوجان من داخل المطعم ليرسله آرون الي المجهول مجهول من كلمتين روري بيترز... ماذا سيفعل منشق بمنشق مثله في مدينة كتلك ؟ هكذا تسائل آرون و هو يتفصد عرقا أمام المطعم... و القلق يأكل من تلك الغلالة الصارمة حول نفسه باعتبار عسكري دورية.... صحيح انه ليس من الطبيعي ان تقابل ايرلنديا في حانة في بلد مختلف و لكن الغير طبيعي كلية ان يتأمر معك علي ايرلندي ثالث..... و منذ تلك اللحظة ترسخت في أعماقه شعور واحد سيلازمه طوال فترة بقاؤه في نيويورك ... و هنا سنكتفي بالقول أنه "متأمر " كما يتردد الآن في عقله اللاواعي.... لماذا لعبت الصدفة هذا الدور الغريب في أن يقابله بيترز في نيويورك في حانة ليخبره بأنه سيحل محل لوجان و ما هو الموضع الذي سيحل فيه ؟






و المدهش و هو ما يثبت تلك الجملة التي سمعناها سابقا بأن الايرلنديين لا يمكن تحليلهم نفسيا بأنه و علي الرغم من القلق المسعور الذي ينبح الآن في رأسه و يتصبب لزجا علي رأسه برغم البرودة التي تلازم كل بشري مادمنا ذكرنا حدث مجهول لم يحدث ، الا أنه شعر بالاثارة فمنذ الخطب الرنانة الزاعقة الموجهة شأنها ككل الخطب في هذا العالم لم يشعر يوما آرون في حياته بجديد و المضحك انه لم يجده -الجديد- في نيويورك كانت هذه فرصة لمشاهدة شكل مختلف و جنون مختلف فطبيعته المنفردة المختلية المكتفية تتعامل مع الأحداث باعتبارها مسلية



و ليست كأنها حدث.... فمثلا ما شعور شخص عادي اذا استيقظ من النوم ليجد البناية المقابلة له قد أزيلت من الوجود ؟



أي شخص غير آرون سيذهل ، سيغضب سيتذكر من كان يسكن هنا أما آرون فلن يفعل أي من هذا بل سيبتسم و هو يدعك عينه و سيتفائل بأن يومه قد ابتدأ بتسلية من ذلك النوع بدعابة حقيقية بهذه النفسية المعقدة يقف الآن أمام بروزو و ما أن خرج آري لوجان من بروزو حتي شعر آرون بأن ساعة عملاقة تماثل بيج بن تصدر رنينا رهيبا ناعيا الي العالم حدث سابق و زافة اليه حدثا جديد.....



هيييه آرون .... أنا لا أصدق عيني .... هكذا قال لوجان و آرون يبحث في مئات الاحتمالات التي من الممكن أن يصنعها روري بيترز بآري



رد آرون و هو ينفخ صدرا وهميا في بزته العسكرية : مرحي يا رجل أنت هنا



رد لوجان بشوق لا يتناسب مع اي من سكان دبلن : دعك من تلك النعرة الأمريكية الزائفة يا آرون مازلت وغدا ايرلنديا حتي النخاع



ضحك آرون بداخله من امكانية ان يكون هناك فخ من لوجان تجاهه : تلك النعرة هي التي جلبت لي عملا هنا يا عزيزي



الي اين انت ذاهب يا لوجان ؟



و قبل أن يرد لوجان بلهجته الايرلندية المفضوحة أتت سيارة فان ضخمة هبط منها شخص معروف للايرلنديين ذو بدلة أنيقة و هو ينظر الي آري و آرون و يقول بلهجة صارمة تحمل سخرية : مرحبا مرحبا آري



و قبل أن يتمادي أي منهما في سخافاته وضع روري بيترز يده في سترته و أخرج بادجا لا يجرؤ أحد علي التعامل معه بخفة علي الأقل في الوضع الراهن و قال : اف بي آي أركب معنا يا عزيزي لوجان دون كلمة .... و نظر الي ضخم مجاور قائلا : لا تتلو عليه حقوقه فليس له حقوق



صرخ لوجان : يابن.... و قبل أن يكملها اندفع اليه شخص بسرعة من داخل السيارة و كممه و عاجله آخر بضربة علي ام رأسه فقد علي أثرها الوعي و أدخلوه السيارة



توجه بعدها روري بيترز بثبات و كأنه يضرب مواطنا في الشارع يوميا منذ أن أسست نيويورك و وضع يده داخل سترته و قال لآرون : أحسنت عملا هاك نصيبك



نظر اليه آرون في عدم فهم و قال بفحيح : ما هذا أنا لا أفهم شييء أين سأحل محله ؟ و ماذا فعل لكل هذا ؟



رد بيترز بصرامة و وجه يختلف عن ذلك الذي قابله به في البار الليلة الماضية : انت فعلت عملا ممتازا و هذا أجرك



ثم شوح بيديه في عصبية في دائرة واسعة مشيرا نحو البنايات : و هكذا هي نيويورك الكل يقبض لأنه أدي عملا ممتازا و الطريف أنهم لا يسألون



ثم هدأ قليلا و قال : انتظر هنا قليلا فسنحتفل بعد أن يذهب لوجان



تسائل آرون في دهشة : الي اين ؟



زفر بيترز في ضيق و لم يجب و مما أثار انتباه آرون بأنهم أخرجوه من السيارة و هم ينظرون يمنة و يسارا و دخلوا به البناية المجاورة



و أختفوا في ظلام مدخلها .... أما آرون فوقف ينظر الي الألف دولار التي أعطاها اياه بيترز ووضعها في جيبه ببساطة... هكذا أزالوا البناية من أمامه فجأة و أعتبر هو هذا أنه مجرد حدث مسلي ..... صحيح أنه خدع و لكن من قال أنه يرغب في أن يحل محل أحد و ماهو ذلك الموضع ... كل شييء مسلي مادام جديدا و بعيدا عن مؤخرتي هكذا قال لنفسه



و ما ان أراح رأسه من أفة التساؤل حتي سمع صوت شهقة مكتومة و سبة بالايرلندية و صوت هبوط مدو علي الرغم من أنه في الهواء



ليجد حدثا لا يقل عنه تسلية شاهد جثة لوجان أمامه و قد أنكسرت جمجمته و تدفق منها الدم غزيرا و لأن آرون لا يعرف مواجهة الخوف الا بتصرف بشري طبيعي فلم يعلق عل ذلك بشهقة أو حتي بسبة و لكن مال بفمه علي راديو الاتصال المثبت في جيبه و قال : هنا آرون شخص ميت ملقي في الشارع أمام بروزو



و مع مشهد سيارة الاسعاف بألوان كشافتها المرتطمة بالمباني تأكد آرون من أن الشعور بالمؤامرة لم يصبح مجرد شعور بل صار حياة كاملة و بأن لوجان ذهب و بأنه سيذهب الآن للاحتفال مع بيترز علي الطريقة الفيدرالية



........................................



ما اسوأ ما قد يحدث بعد حدوث مصيبة بالفعل...... كلنا تخيل يوما أن حدوث بركان تحت أرضية منزل مأهول هو نهاية في حد ذاتها علي الأقل بالنسبة لسكان هذا المنزل......و لكن ماذا عمن يسكنون بخارجه و حتي خارج نطاق البراكين ؟



الاجابة البسيطة الموجودة منذ بدء الوجود القاطعة هي ببساطة لاشييء يتواصل الزمن بعبثيته الساخرة ليصنع أحداثا جديدة و يصبح سكان هذا المنزل في طي النسيان فكما لم يختاروا سكناهم هاهنا فبالتالي لن يختاروا موتهم لأنهم لم يختاروا وقوع هذا الحدث الجلل -بالنسبة اليهم- و هكذا هو النسيان اختفاء ما كان بعيدا أصلا بتلك الغريزة المكتسبة من اغترابه نظر محمد البشير الي ابراهيم في السيارة و لا نملك في السرد الا أن نقول أنه يحدث تلقائيا لقد هوجمت في الشارع من قبل بانشو و لكن أنا كنت في منزلي أنت اخترت الانفصال عن المجموعة فلا تلومن الذئب...و لكن ابراهيم الذي ينظر الي هيذر باعتبارها الشييء الوحيد الاختياري في حياته كان يشعر فعليا بان البركان لم ينفجر في منزله فحسب بل في أعمق أعماق أعماقه.....لو أن الحب سؤال اختيار من متعدد لكانت هيذر الاجابة لكانت خطا بالقلم الرصاص



قال ب



هدوء صنعه التعب لا الارتياح :سنذهب اليها



رد محمد البشير : ال أين ؟



رد ابراهيم بتعبه و بادرينالين معركته المنتهية و بهويته المفقودة:الي هيذر



أخرج هاتفه النقال و طلب الرقم الوحيد في قائمة من يجب أن يتصل بهم في التو و اللحظة و ضغط ازراره البلاستيكية و انتظر أن يأتي صوتها بعد الرنين الطويل الذي يحمل اللامعني رد صوت خشن يحمل لكنة لاتينية يعرف ابراهيم جيدا أنها من كولومبيا يعلم جيدا أن الساعة المنصرمة من حياته الآن تسمي "في ساعة نحس" مرحبا من أنت ؟



رد ابراهيم :انا صديق لهيذر من معي ؟



رد الصوت الخشن : انا والدها



لست في حاجة لأن تكون خبيرا بالصوتيات لتدرك من لهجة محدثك بأن لديك تاريخا حافلا بالمساويء خصوصا لو أن محدثك تربطه بتاريخك الاختياري صلة دم



لذلك لم يعقب ابراهيم بعدها انتظر السؤال الاختياري ليضع بأسفله الخط الرمادي الثقيل



قال الصوت الجبلي الخشن : لقد عادت انت لا تنتظر كثيرا قبل الدخول في مشاكل



تنحنح الديبلوماسي الذي نعرف نحن أنه أبو هيذر أكثر من ابراهيم نفسه المغترب النييوركي الذي يتعامل مع هيذر يوميا و قال :اسمعني جيدا انا لست عنصريا اتعلم لماذا؟ لأني مثلك تماما غريب



وواصل: لكن القليل من المعيشة في مطحنة كهذه علمتني بأن مالا يجب أن يحدث لن يحدث بالفعل و لهذا فأن مسألة ارتباطك بابنتي كمراهقين لن يحدث هل تعلم لماذا؟



ام يأتي السؤال الاختياري بعد فأكتفي صديقنا المصري بالصمت



وواصل النحس التحدث :لست لأنك عربي طبعا ... لكنك لست كولومبيا تحمل تلك الدماء المخلوطة بالفلفل الأحمر خاصتنا.... ناهيك علي الرغم من أنني أعيش من قبل أن تولد أنت في مدينتنا هذه الا أنني مازلت كاثوليكي مؤمن و ذلك الأصل هو الشييء الوحيد الذي لم تتعلمه هيذر



لست بحاجة أيضا لتدرس السلوك البشري لكي تدرك بأن من يستمع لصمتك يحكي ذكريات تشابه ذكرياتك و لا أن السؤال الاختياري لم يأت بعد.....لذلك واصل ابراهيم الاستماع الي الصوت الخشن لوالد هيذر



تسائل والدها : لست بحاجة لتوضيح شييء و لكن أعلم من هيذر بأن لديك أخت هل توافق علي ارتباطها بناثان قريبي الذي سترتبط به هيذر؟



لست بحاجة لدراسة السلوك البشري لكي تعلم بأن السؤال الاختياري اجابته بالنفي و لست بحاجة ايضا لكي تعرف بأن محدثك يعلم ذلك



لذا واصل الاستماع الي صوت والد هيذر الديبلوماسي



هيذر ستذهب الي كولومبيا في الاجازة لتتزوج من قريبي ناثان حظا موفقا لك



هكذا قال والدها بوجوده الصوتي فقط و لست بحاجة لدراسة السلوك البشري لتدرك مدي العجز الذي يقابلك في محاجاة وجود بشري صوتي فقط



رد ابراهيم و آلاف الأسئلة التي تمت الاجابة عنها بخط رمادي ثقيل تشكل وعيه : حسنا يجب أن تعلم بأن ابنتك هي كل مالدي



رد والدها : أنا أعلم ذلك و لكن من قال لك بأن العالم انتهي يوما بما امتلكناه.... تقبل موقفي.... ستقابل يوما ما فتاة تشعر مجددا بأنها الجزء المناسب .... الجزء الذي لا يمكنه رفضك.... رغما عنه ... و غلق السماعة



أتي صوت محمد البشير من العالم الحقيقي ذلك العالم الذي يدور بعيدا عن السماعة و الديبلوماسي و عاشق مغترب متسائلا : ماذا فعلت؟



رد ابراهيم بالاجابة الوحيدة القاطعة منذ ابتداء التاريخ في عالمه الاعتباطي : لاشييء



.................................................



يزال المبني من أمام مستيقظ للتو من نومه و ينفجر البركان تحت منزل لشخص ما قد تعرفه أحكي لك عنه و انت جالس في منزلك فلا تملك الا و ان تتعاطف معه... و قد تسخر من القدر الذي لا يمسسك الا بالمصائب دوما و لكن ماذا تفعل معي اذا كنت انت المصاب لست بحاجة لدراسة سلوكي البشري -نوعا ما - لكي تدرك بأن شعورك لا يحمل الا النقمة لست علي بل علي من تسبب في أن الحدث الذي حدث لم يكن مسليا علي الاطلاق...... و لنأخذ مثالا علي ذلك عائشة التي لا تملك قلما رصاصيا بالاساس للاجابة علي سؤال اختياري مفروض بحكم السرد ما هو السؤال الذي لا تستطيع عائشة الاجابة عنه باجابة قاطعة منذ بدء الوجود؟ و الاجابة ببساطة لاشييء



فكل حدث سيحدث لها منذ الآن فصاعدا هو جديد و كل جديد سيحمل اجابة جديدة و بالتالي هو غير متوقع



عائشة افتضح امرها مع ويسلر و نادر الذي يعمل عند ابيها سينشر الخبر و كأنه كارثة طبيعية..... أما أن تقرر مصير علاقتها بويسلر و اما أن تضعه هناك حيث كل بعيد.... في طي النسيان



ضغطت الازرار البلاستيكية و كأنها مغترب نيويوركي -وياللعجب-يمت اليها بصلة دم و انتظرت ذلك الرنين الرتيب الذي حمل بعدها صوتا مفعم بالحنق : ماذا تريدين ؟


هكذا قال ويسلر و ذكري نادر في السنترال بارك تعصف بمشاعره تجاهها


ردت عائشة بعد حدوث الكارثة دون الحاجة الي ملقن يملي عليها ما يجب ان يحدث : اسمعني انا لم أعد أخشي شييء نادر متحرر...مثلنا و يفهم


ثم زفرت و كأنها تلقي بحيرتها الي الهواء : ساعدني.... ساعدني لكي أمشي معك من هنا


رد ويسلر و الاضطراب ينتقل الي نبرته : هل تعنين ما تقولين ؟


ردت عائشة بالاجابة الوحيدة التي تأكدت منها منذ بداية ظهور ويسلر في حياتها الغريبة -نوعا ما- و بهدوء : نعم لدي شخص تماثل حكايته حكايتنا تماما


اندهش ويسلر و عائشة تقول بهدوء لا يتناسب مع متطلباتها السابقة الشكلية الزائفة : رئيفة في كاليفورنيا


.................................................
جلس نادر بهدوء في المنزل المهجور لاسرته في رأس التين ذلك المنزل الذي لم يعد مناسبا لسياسي فذ انتقل الآن لحي سموحة.... في كل يوم يمر عليه منذ أن هبط من السماء ليعود الي مصر مجددا يشعر بان هناك عدادا خفيا يعد عليه حركاته و انفاسه و خطواته..... يشعر بأن لديه وقت طويل ليتأقلم مجددا مع فطرة محتها الايام..... لديه زمن ليتعلم كيف يبصق في الشوارع كيف يرفع من صوته ليسير الذعر كيف يلقي بالمهملات في اي مكان يريده....... الشييء الوحيد الذي لم ينساه بعد هو كيفية الخداع و المداهنة..... نعم انت قادر علي خداع الجميع هنا مادمت تدفع جيدا....و زفر بحنق و هو يتذكر ما حدث في الساعات القليلة الماضية..... سمير عبد المسيح عاد من المدرسة كما يفعل منذ سنوات عديدة ليجد ذلك الملتحي المهووس يستغفر لذنب مجهول مجددا و يبصق وكأنه يخرج جزءا من نفسه الممتلئة كراهية...... ثم يتحدث بلهجة صعلوك قارح من السيالة بغض النظر عن شكله الزائف الي سمير : مش ناوي تراجع نفسك يا افندي
رد سمير شاعرا بلفح الكراهية : في ايه بالظبط
رد الآخر: تدفع كام باكو كده و تتملك الشقة انا محتاج فلوس و الايجار بتاعك ده مبقاش يوكل عيش حاف
ابتسم سمير قائلا : انا مدرس يا شيخ عمرك سمعت عن مدرس في البلد دي معاه فلوس
زمجر الشيخ قائلا : يعني ايه ؟
رد سمير ببساطة : يعني لما ربنا يفرجها
رفع الملتحي صوته : طب بص بقي انا اقولك ربنا يفرجها ازاي ... انت تاخدلك قرشين و حتتكل علي الله من غير مطرود من العمارة
ضحك سمير بعصبية : و ده بامارة ايه ؟
فقال : العمارة فيها حريم قرايبي و بيقعدوا علي السلم بشعرهم و مينفعوش يتكشفوا علي واحد عازب و لا مؤاخاذة .... لا
اكمل سمير ببساطة : مسيحي مش كده.... و لو قعدوا بلابيص علي السلم قدام أي دقن زي حضرتك ممكن تنزله الايجار أو تنقيله عروسة منهم
باعلي صوت قال الشيخ : لم نفسك يا كافر يابن الكلب
أمسك سمير بتلابيبه و هو يصيح : الكافر ده اللي ميراعيش اصول الجيرة يا عرص
أنهمك كلاهما في القضاء علي الآخر و ظهر من الأزقة القريبة عدد من الناس بعضهم ضرب مع الشيخ المزيف و بعضهم تعاطف مع سمير معظمهم من النسوة المتقدمين في السن المهم أن الجرح في فروة رأسه علي الرغم من أنه لا يتجاوز أربعة سنتيمترات الا ان الدم تدفق بغزارة شديدة كان نادر متوجها نحو بيت سمير ففوجيء بمشهد رأسه و بشعره الذي وخطه الشيب ملوثا بالدماء
بعضهم أخذ الشيخ لاخفاؤه قليلا عن أعين اي عسكري سيرسله القسم في غضون لحظات... أما سمير فقد اجبره نادر علي ركوب سيارة اجرة وتوقف التاكسي المتهالك من تلك الماركة الروسية الشهيرة امام المستشفي الحكومي الذي لا يقل عنه تهالكا جحافل من القرويين و البسطاء يجلسون امام بوابته الصدئة التي تنظر الي الجميع نظرة مهمومة و كتب عاليها بملل المستشفي الاميري..... عند تلك النقطة بالتحديد و بينما كان نادر جالسا في منزله شعر بحنق شديد و أخرج الكاميرا الدقيقة التي كانت في جيبه و ضغط زرا صغيرا في جانبها ليخرج الفيلم
صحيح ان صديقه مصاب و الدماء تقطر منه ... صحيح ان الموقف متأزم و لكن ما علمته اياه ايام نيويورك ان ما يحدث حوله في الأزمة هو عمل فني عبثي خالص و هناك طريقة واحدة فقط للاحتفاظ بالحدث بالنسبة لمراسل..... هو أن يحبسه في ذاكرة الكاميرا كما تحيس العفاريت في الجرة.... لتستدعي من جديد في زمن آخر لتروي حدثا بعينه
هكذا كان نادر يتظاهر بالاندماج مع شراسة حارس بوابة المستشفي اللزج الذي نهره باستخدام اسم والده و العبارة التي يفضل معظم المصريين التعبير بها عن أنفسهم : انت متعرفش انا ابن مين ؟
كانت يده تتلاعب بمهارة بالكاميرا المتطورة و تلتقط الصور...... و هاهو المشهد بمعظم تفاصيله يرقد في راحة يديه في المنزل
صور لتبادل الصراخ مع مسنين منتفخي البطون و مع موظفي المستشفي و اللعاب يتطاير مجانيا من الجميع في الهواء الصورة الاهم كانت اثناء استلقاء سمير علي سرير قذر بالداخل منتظرا مجيء الطبيب شبه النائم ففي الطرقة المقابلة و امام وحدة غسيل الكلي وقفت قطة قذرة منفوشة الشعر تلعق الباب ثم فتحت بمخالبها الباب الذي لا يحرسه أحد و دلفت الي الداخل أثار هذا المشهد حنق نادر كما لم يفعل اي شييء من قبل .... و لكنه انتبه علي صوت سمير يصرخ و الطبيب يغرز ابرة الخياطة في رأسه قائلا : اتجدعن أمال ... معلش مفيش بنج موضعي
يتبع

Friday, May 15, 2009

خمسون نجمة و نسر..............11

الهبوط:المنشق












كل من بلغ السادسة عشر في ايرلندا يستطيع بجدارة الانضمام الي حزب "انفسنا" الشهير ب"الشين فين" وهي المرادف الايرلندي للكلمة السابقة... النزعات الانفصالية في الحزب متكررة ابتداءا من اسم الحزب الذي يدعي جميع الفرقاء الايرلنديين انهم رافدا في تكوينه مرورة بالتهم المنسوبة لأعضاءه و ابرزها الاتهامات البريطانية بالتحريض علي ثورة عيد الفصح تلك المعروفة ب"عصيان الشين فين "الي أن حدث الانقسام الكبير في السبعينيات -عندما كان آرون ابن الثانية و العشرين- قبل هذا بسنين قليلة حدثت مصادمات طائفية دامية و ارسلت الشرطة الملكية للسيطرة علي الوضع المتردي و لأن كل العسكريين الذين يصرخون في جنودهم بحماسة عادة يأتي ردهم هزيلا فقد أتي رد الجيش الجمهوري الايرلندي هزيلا كخطب قادته الزاعقة عن الاستقلال و ما الي ذلك أدي هذا الي غضب عارم في اروقة الحزب علي مستوي القدامي مثل شون ماك ستيوفاين استغل حماسة الشباب المؤمنين بالقومية و كونوا ما يعرف بجنود الجيش الجمهوري الايرلندي






و طبعا انتقل الصراع الي شوارع بلفاست بين المنشقين و الحزب الرسمي و تريث الجمهوريين البراجماتيين ليختاروا الجبهة المناسبة






و خلال المصادمات التي جرت بشكل دوري سطع نجم آرون ليس لأنه عسكريا مرموقا يصرخ في شباب الجنود بحماسة و لا لأنه من الانفصاليين مثل ستيوفاين و لكن لتوحشه الشديد خلال تلك المصادمات التي قتل خلالها الكثيرين علي يديه.... كان يفرغ رصاصاته في شوارع بلفاست مفرغا معها حسرته علي الاكاذيب ... كل ما حوله أكذوبة القوميين و الجمهوريين العسكريين و السياسيين.... و ما ان انتهت المصادمات حتي رحل آرون الي الولايات المتحدة مع اعلان الشين فين الرسمي تبرأه من العنف رحل آرون مفعما بالثأر من الاوهام القومية و محاولا تحقيق مجد شخصي في تلك البلاد التي سمع عنها طويلا... و علي عكس معظم الايرلنديين الذين -غالبا- ما يستقرون بالوسط استقر آرون في الشرق في نيويورك .... في سنواته الأولي كان مبلبلا بين عدة وظائف حقيرة الي ان اصبح بشق الانفس عسكري دورية و حانات حقيرة يجلس بداخلها لشرب الجعة الايرلندية ذات طعم الخشب و ذات مرة و اثناء سكره في بار حقير في مانهاتن دخل رجل أنيق الملبس للغاية يتنافي مع المكان كان آرون يدمدم بأغنية ايرلندية عتيقة لم يفهمها الجالسون في البار جلس ذلك الأنيق بهدوء بجانب آرون و قال له بهدوء : مرحبا يا آرون





قال له آرون بدون شعور : مرحبا يا هذا





نظر اليه الرجل مباشرة في وجهه و قال : ماذا تفعل في مكان كهذا ؟





آرون بملل : و ماذا تفعل انت ؟





نظر الرجل الي ساعته بلمحة خاطفة و قال : لقد جئت خصيصا من أجلك





دعك آرون عينيه بقوة و نظر الي الرجل و صاح في دهشة :روري بيترز ..... لا يمكن ان يخدعني الشراب الي هذا الحد





رد روري بهدوء : انت محق لا داعي للتشكك .... اخرج معي لنتحدث بهدوء





خرج معه آرون مندهشا و لكنه لم يقو علي التساؤل و فهم روري ذلك بهدوء و قال : انا تركت بلفاست مثلك تماما شابا و أقيم في جيرسي الآن.... هناك الكثيرون منا هنا





قهقه آرون طويلا و قال لروري : و هل أتي جيري أدامز -رئيس الحزب الحالي-أم انهم أغلقوا باب الهجرة ؟





ابتسم روري ابتسامة صفراء و قال : لنتحدث بشان ما جئت من أجله .... انت لا تستحق حياة كتلك التي تعيشها انت أفضل من هذا بكثير يا آرون





قاطعه آرون ثانية بضحكة صاخبة : هيه يا صديقي .... انت لست في الأرد فييس - مؤتمر النواب القومي- لم يعد لتلك الحماسة تأثيرا لاحظ انني اقتربت من الثلاثين انا لم أعد طفلا تشعله الكلمات





ابتسم روري و قال : انا اتحدث اليك بشأن عمل





نظر اليه آرون بنظرة متشككة : انت الآن عسكري دورية في نيويورك ما أسوأ ما قد أعرضه عليه ؟





قال آرون : عمل غير شرعي





ضحك روري بيترز و قال :انت في نيويورك الغير شرعي هنا هو الشرعي بعينه و العكس صحيح





قال آرون بغضب : انت لا تعرف كم تعذبت لأحصل علي هذه الوظيفة





قال روري بهدوء : حسنا هو عمل شبه شرعي





رد آرون : حسنا ما هو ؟





رد روري : غدا مساءا في مطعم بروزو-في بقعة خدمتك- سياتي شخصان أحدهما يرتدي بدلة رمادية هذا هو رجلنا في نيويورك آري




قاطعه آرون : آري لوجان




ابتسم روري : بالضبط.... استدرجه بعد خروجه من المطعم فاجئه بوجودك




قال آرون بدهشة : لماذا؟




و لأول مرة ظهر الغضب علي وجه روري و نظر الي صديقه الذي أنقذه من طعنة ذات مرة في بلفاست و قال : لأنك ستحل محله




......................................




كان بانشو ثملا بما يكفي ليرتكب كل ما يخطر بباله فبعد ان أطلقت هيذر ساقيها للريح جذب ابراهيم من سرواله اما الأخير فقد عاجله بضربة قوية في وجهه انسال بعدها الدم من انفه و في غضب جنوني صاح بانشو : الي يا رفاق



هبط شابان من السيارة التي كان يستقلها بانشو و أمسكا بذراعي ابراهيم من الخلف فضربه بانشو بكل قوته في معدته وشعر ابراهيم بغثيان شديد أثر النبيذ الذي احتساه في المطعم منذ لحظات قليلة اما بانشو فأخرج مدية سويسرية و وضعها علي عنق ابراهيم الذي ارتجف بشدة



و بفحيح أقرب الي الصوت البشري قال بانشو : من يمنعك مني الآن ؟



و علي الرغم من ذعره من فكرة ان يصبح وجهه بندبة الا ان الكراهية اعمته فجمع الحمم التي تغلي في صدره و بصق علي وجه بانشو قائلا : أفعل ما يحلو لك



كل هذا كان يحدث في الشارع دون تدخل أي من المارة بعضهم يسير بخطي حثيثة و لا ينظر و بعضهم ينظر نظرة مغتصبة و يبتسم بسخرية في العادة هم من البيض المتعصبين يتندرون في قرارة انفسهم من وضع هؤلاء الملونين و البعض يترك الشارع من الاساس



الا ذلك الشرطي الذي كان مارا بالمصادفة و هبط من سيارته سريعا قبل أن يهوي بانشو بنصل المدية علي وجه ابراهيم و صاح في المكسيكيين الثلاثة فما ان رأوه حتي انطلقوا الي السيارة بسرعة و بانشو يشير الي ابراهيم بحركة بذيئة من يديه صارخا : محظوظ ... محظوظ ابن قحبة



و انطلقوا سريعا..... اما الشرطي فقد تفقد ابراهيم الذي افرغ معدته في سلة مهملات قريبة و أخبره الاخير بأنه علي ما يرام فانصرف



و علي الرغم من قلقه علي هيذر و توتره بشأن مواجهات مستقبلية و الصداع المزلزل الذي يعتصر رأسه الا انه أخرج هاتفه المحمول من جيبه و فتح شاشته بطرف فمه و العرق يتصبب من جسده كله و ضغط علي زر الاتصال السريع .... أتاه صوت كسلان من الطرف الآخر : هيه يا رجل .... شهر تقريبا لم نتحدث سويا ....ماذا تريد ؟


رد بتعب حقيقي : محمد انا آسف يا رجل أنا ادخرك للصعاب دوما ... بانشو هاجمني امام ابروزو


رد محمد البشير ببرود : و


تنحنح ابراهيم و هو يلعن نفسه لأنه اتصل به أخيرا : انا مقصر في حقك و لكن لا يمكنك تركي هكذا يا رجل .... و صمت ثم تابع : من أجل الايام الخوالي.... انا مرهق مرهق للغاية


رد الآخر بنفس البرود : سابقا قلت للجميع انك طويت صفحة البي ال أو.... ها انت تتصل بهم


رد ابراهيم و أرض الشارع تدور بخفة : هذا كان سابقا.... انا.... انا احتاج اليك.... بشدة


تغيرت لهجة البشير و فال بجدية : انا في طريقي اليك


أغلق ابراهيم الهاتف و جلس ساندا ظهره للشارع و استغرق في نوم عميق


....................................


كيف تسمح لنفسك بتهديد امرأة؟ بل كيف تصرخ بوجهها بالأساس؟ أنصرف من أمامي و الا حطمت رأسك


هكذا تحدث نادر بلهجة مخيفة مع ويسلر الذي كان مندهشا نوعا ما.... و بصوت مبحوح : هذا هوحبيبك الجديد اذا


ردت عائشة بدموع : انت لا تفهم شييء ... كلاكما لا تفهمان


تحدث نادر بقوةو بالعربية : ماذا تريدين مني ان أفهم .... ما الذي يجمعك بأجنبي في مكان ما بمفردكما ؟


صاح ويسلر بقوة : لما لا تتحدث بلغتي يا هذا ؟


شعرت عائشة بصدمة هائلة فبعد ان شاهدها نادر سيعرف أبوها أو أخوها أو أمها علي أحسن تقدير.... ويسلر مصدوم ايضا لأن الفتاة التي أحبها يظهر لها أقارب فجأة لا يعرفهم و علي هذا النحو من التخلف و قلة الذوق..... الأثنان كانت صدمتهما منطقية اما نادر فكان مصدوما لسبب مختلف -كالعادة- لماذا ألقي اهتماما لفتاة تجلس مع شاب في حديقة ؟ منذ أن أتي الي نيويورك و هو يري الملايين من العشاق في كل شبر يصرخون فرحا أو حزنا و لم يهتم لماذا أهتم اذا ؟ لماذا استفزه مشهد فتاة صغيرة مصرية -نوعا ما - تجلس مع اجنبي؟


لماذا أعترض -بصوت مسموع- علي جلوسها بمفردها معه؟ ألم ينسي بعد كل الترهات التي كان يعيشها هناك ؟ هكذا صدمته الحقيقة كالعادة- مازال هناك مصريا مدفونا في الاعماق حتي و لو اختبأ خلف فحم المعسل المشتعل في ليالي بحري حتي لو ارتدي بدلا فاخرة و -حمل كاميرات رقمية حديثة.... حتي لو سار في الشوارع الخالية ليلا يعني لنويل هاريسون .... حتي لو تظاهر بالاستمتاع بالقهوة الامريكية


و نسخة التايمز -و بداخلها أسمه- في الصباح... حتي عندما يربح معاركه الكلامية مع نهي حتي عندما يغلق عينيه في المساء في الموتيل متظاهرا بأن كل شييء علي ما يرام... حتي عندما يضحك -بافتعال- علي المسلسلات الأمريكية الكوميدية....مازال يتحدث العامية المصرية بطلاقة و مازال يرتجف عندما يسمع صوت الشيوخ في الافراح التي تقام بالمركز الاسلامي.... مازالت الأغاني المصرية تطربه عن سواها.... مازال يدس أنفه في شئون من يراهم في الشوارع بل و يمد يد العون لفتاة لم يتحدث معها الا قليلا حتي لو لم تطلب منه الفتاة ذلك.... شأنه شأن أي مصري من الذين طالما أثقلهم بلومه و سخريته و تقريعه.... و علي الرغم من حدة الموقف و الأفكار التي في عقله ابتسمت عيناه ابتسامة ساخرة خاطفة حلت محل نظرته العجيبة تلك الابتسامة التي ستظهر بعد عدة أعوام حينما شاهد جندييان مصريان يخدعان ذلك الخليجي.... و لأن كل هذا كان موجودا منذ القدم منذ أيام ديليس فلم يستغرق صعوده الي السطح الا ثوان معدودة سمع صوت ويسلر بعدها يقول : نحن في بلاد حرة يا سيدي... انا أجلس مع الآنسة و لم أرتكب أي شييء يخالف القانون ... هي تعرفك ربما و لكن هذا لا يعطيك الحق في التبجح علي علنا هكذا

و علي الرغم من أنه يتحدث بانجليزية تقارب انجليزية ويسلر الا أنه قال لعائشة بالعربية : قلي له أن ينصرف بدلا من المشاكل

مثله و علي الرغم من تعليمها المتطور و شخصيتها القوية في المدرسة وسط زملاؤها و ولعها بشخصيات الحركة النسائية في نيويورك الا أن شييء ما مجهول - أو مدفون - بداخلها أو في ملامح نادر و صوته او جنسيته أو بشرته السمراء التي تقارب لون بشرتهاجعلها تخاطب ويسلر بدون نقاش : بيتر سأتصل بك عندما أصل لا تقلق أنه يعمل ... انه قريب والدي

رد ويسلر بدهشة و غضب : حسنا ... لا تتصلي من الممكن ان يكون حراما هذا لديكم

رد نادر بالانجليزية بدون تفكير : و ماذا تعرف عنا يا هذا؟ .... أرحل فقد نفذ صبري

نظر ويسلر الي عائشة و قال : هذا مؤسف.... ماذا فعلت لأستحق كل هذا ؟

و انصرف بهدوء حاملا حزنه و دهشته علي ظهره..... أما نادر فقد وجه نظرة غاضبة الي عائشة و قال بهدوء صارم : حسنا ... انا أعمل لدي والدك و لكن هذا يعني انه يأتمنني.... ماذا تفعلين مع ذلك الأمريكي ؟ ثم رفع صوته قليلا قائلا : بمنتهي الصراحة

........................................
هاهو يعود مجددا لرأس التين..... بعد سنين طويلة للغاية الأزقة مازالت ضيقة.... الناس مازالو فضوليين و يثرثرون... الاطفال تلعب في الشارع شبه عراة في الأزقة و يطاردون سيارات البلدية.... نفس الوجوه السمراء ذات الشوارب الفخمة و الملابس ذات الألوان الفاقعة تبيع المخدرات.....سمير كان بجواره يحدثه عن البلد التي لم تعد كما كانت..... في رأيه ان المصيبة ان البلد مازالت كما كانت.... صاخبة و عشوائية و منفلتة..... مازال المصريين طيبين علي أحسن الأحوال...... نظر الي سمير الذي ما أن دخل الزقاق حتي انطفأت نظرته.... هل يشعر بالخجل لأن نادر ربيب شوارع بروكلين يسير هاهنا.... هذا مجنون.... انه كان يسكن في هذه البقعة بالتحديد قبل أن ينتقل الحاج الفلكي
بقدرة قادر الي سموحة....و .... قاطعت أفكاره صوت رجل ملتحي يبصق علي الأرض بصوت مسموع و يستغفر الله لذنب لا يعرفه بصوت أكثر علوا..... اندهش نادر من ذلك التصرف الغريب و لكن بحاسته المصرية المدفونة خلف نظارته الشمسية البيرسول أدرك أن هذا-شغل نسوان- أن تخشي مواجهة أحدهم فتفرغ غضبك في أشياء محايدة.... و بينما هم صاعدون علي سلم العمارة التي يسكن فيها سمير قال الأخير بصوت منخفض : له سنتان الآن يطالبني بتملك الشقة لأن ايجارها أصبح لا يساوي شيئا... ستة جنيهات لا تفعل شيئا في هذا الزمن.... من حسن الحظ أن زوجتي هربت هي و الطفلة من هنا
رد نادر بدهشة: الا تقيم معك في راس التين ؟
رد سمير بمرارة : بل لا تقيم في مصر من الأساس ... لقد هربت الي أهلها في أمريكا في كاليفورنيا
تسائل نادر بداخله : لماذا يهرب الجميع الي هناك ؟ كل من يعلم أنهم تركوا ذويهم من المصريين يهربون هناك
ثم قال سمير : ابن الكلب صاحب العمارة الملتحي ضحك علي الناس و أكلهم الأونطة و أقنعهم أنني مسيحي لا مكان لي وسطهم.... ثم ابتسم قبل أن يرد نادر و قال : فقهيا
ثم نظر الي نادر و قال : يا عم نادر لا تشغل بالك بمشاكلي لقد تعودت عليها .... ألن أقرأ لك في مصر ؟
نظر نادر الي الشقة عند دخوله من الباب مازالت كما هي مبعثرة و مليئة بجبال من الكتب.... نفس الرائحة نفس ساعة الحائط و الصور المسيحية التقليدية التي وضعتها زوجة سمير الهاربة ......ثم قال لسمير : لا يوجد فرق كبير
رد سمير : لا تتهرب من السؤال ... متي ساري تقريرك الأول .. كمراسل
خلع نادر نظارته الشمسية في الشقة الغارقة في الظلام و قال لسمير : لا يوجد فرق.... انا انتظر التغيرات لأكتب عنها... لم اجد شيئا مسليا
قال سمير بحرج : هل جلست مع والدك؟
رد نادر بابتسامة ساخرة : طبعا ... لم أخبره بموضوع المراسل هذا لاحظ ان السياسيين او أشباه السياسيين علي وجه الدقة لديهم حساسية من الصحافة
قال سمير متعجبا :و ما علاقة التايمز بانتخابات دائرة الجمرك ؟
قال نادر بضحكة : لا تنسي انا مصور فضائح بالأساس ... هنا سمني مراسل فضائح و لكن لا شييء أسال لعابي حتي الآن
بدا الغضب علي وجه سمير : هل عدت الي هنا لتفضح بلدك في الجرائد الأجنبية ؟ ممن تنتقم من البلد أم من أهلها ؟
رد نادر بهدوء : أتظن يا سمير ان هذه البلاد غير مفضوحة بالفعل.... صدقني كل ما شاهدته الي الآن كنت أراه يوميا علي الفضائيات بالخارج.... أنا أبحث عن قصص شعبية من هنا ليس الا..... ضع ثلجا كثيرا فصدري مشتعل
.......................................
يتبع



Thursday, May 7, 2009

خمسون نجمة ونسر.............10

الهبوط:الخيوط









علي بعد عشرين مترا بالتحديد من البقعة التي انهال فيها المكسيكيين بهراوات البايسبول علي ابراهيم جلست عائشة بثوبها الوردي علي حشائش السنترال بارك بجانب ويسلر كان ويسلر يتحدث بتتابعه المعهود بينما عقلها منطلق بعيدا ..بعيدا للغاية الي كاليفورنيا حيث تقيم عمتها الهاربة رئيفة.... كاليفورنيا هي الحل هي الزواج هي ويسلر هي امريكا كما وعتها منذ الصغر.... الحرية



لا مجال للعقد و التقاليد لماذا لم يولد ابواها هنا ليدركوا معاناتها.... بل لماذا ولدت لهاذين الابوين ؟ استغفرت نفسها لهواجسها العجيبة و راجعت تساؤلالتها مجددا ... كاليفورنيا العار و الفضيحة و ابيها الذي تحبه و تتأكد كل يوم انه علي الرغم من صمته في المنزل الا انه يقاسي الأمرين.... صورة حجرتها في المنزل بكونكلين و كم تشعر بأن اسمنت حجرتها هو جزء من جسدها يجب التشبث به و عدم التفريط فيه.... امها التي تقوس ظهرها في المطبخ لتعد لهم أشهي المأكولات و اجتماعهم معا علي مائدة واحدة...... ماذا سيفعل أخيها هو و أصدقائه المهووسين اذا قررت اختيار ويسلر و لفظهم ؟


انت لست معي يا عزيزتي .... هكذا قال ويسلر و هو يستلقي بظهره علي الحشائش


ردت عائشة بنبرة بطيئة : كلا ... انا .... آسفة


رد ويسلر : انا ذاهب الي بنسلفانيا في الشتاء القادم و انت ستظلين هنا طبعا لتنهي مدرستك العليا فما العمل ؟


ردت باستغراب : و لماذا تذهب الي بنسلفانيا ؟


رد مزمجرا : لأنني سادرس الهندسة هناك .... مفاجأة .... لقد قلت هذا للتو


تنهدت طويلا و قالت : اوه يا بيتر انا في معضلة حقيقة

رد ويسلر و هو يتحسس شعره ليداري غيظه : معضلة ؟ انا لست معقدا لهذا الحد ..... انا احب فتاتي و اريدها ان ترافقني ماذا في هذا ؟

قالت ببطء: انت تعلم ان هناك بعض المشاكل في المنزل

و كانت كلمة المنزل هي الشرارة فانطلق : ليذهب المنزل الي الجحيم أحصلي علي غيره سنقيم معا

قاطعته : الامور لدينا لا تسير علي هذا النحو

انفجر قائلا : و علي اي نحو تسير ؟ هل تعلمين برادي صديقي يلقبني بالعنين لأنني لا ألمسك حتي بمفردنا ... و لكنني افحمته قائلا أنك لست كالمومس الايطالية التي ترافقها التي تضاجع نصف سكان البرونكس.... نيك ذلك الجيييك-الأحمق- يقول انك ساحرة عربية و انك استخدمت تعويذة صحراوية معينة لابقائي علي حالي هذا الذي لا يسر أحدا فماذا قلت له قلت له .. العالم ليس خياليا كما تراه بعدساتك السميكة..... انا ايضا أموري لا تسير علي هذا النحو و لكنني احاول أن أوفق بين ما ترغبين و ما أعتدت ان اراه و لكنك لا تقدرين شيئا و لا تبالي بذلك الويسلر الذي يخشي من ان يصبح مجرد ذكري بالنسبة لك في يوم من الايام ..... اتخذي قرارا هكذا تسير الامور .... لدينا

ردت بتردد : ويسلر هل توافق علي الزواج مني ؟

تدلي فك ويسلر السفلي و قال : ووووه .... هل تعني انك توفرين نفسك للزواج انا لا اب... قاطعته : كلا كلا انا اعني ما قلت

رد و يسلر و هو يهم من مرقده و يجلس و يحني رأسه ناظرا للأرض : نحن لم نعش يوما واحدا سويا كبف تريدين مني ان أعيش معك للأبد؟ هل جننت ؟ انا لا أفهم طريقتك هناك ألف طريقة لتنفصلي عني بهدوء

قالت مسرعة : ومن يرغب بالانفصال .؟ انا أتحدث بجدية نتزوج.... تدخل الاسلام و نتزوج

رد ويسلر بسخرية : هل تريدين مني أن أغير معتقدي لمجرد ان ننام سويا في فراش واحد ...... هراااااااء

انا لست مسلما و لم أكون و لن أكون بالاضافة الي ذلك انا لا أحب المزورين هذا سخيف للغاية..... هل ستحترمينني اذا طلبت منك العكس ؟ لا أعتقد لماذا تطلبين مني ذلك اذا ؟ لأنك خائفة معتمدة غير مستقلة عن أهلك

ثم امسك كتفاها بقوة و صاح : راجعي نفسك يا عائشة جيدا و أعلمي ان علاقتنا في مهدها و لا تحتاج لكل هذه الأكاذيب

ترقرقت دموعها و هي تقول : لا تلمسني

و من خلف الأشجار أتي صوت غاضب للغاية لشاب اسمر اللون حليق الوجه و الرأس ينظر بعينيه الي نقطة خلف كل ما نخاله معروف جميعا قائلا : ماذا تفعل ايها الوغد ؟

و لا اراديا قالت عائشة : نادر انت لا تفهم

.....................................

لاحظ الحارس المرافق للشيخ أن الشيخ علي غير عادته تماما فأنامله تقرع طاولة الغداء الابنوسية في مطعم رودولف استوريا و كانها تقرع مندولين ايطالي ... العرق الذي يتصبب منه علي الرغم من التكييف المركزي للفندق الشهير.... عدم نظره لطاولة سيدات الأعمال الهولنديات بجانبه..... و كنوع من الاحترام للشيخ اشاح بوجهه بعيدا أما الشيخ فكان ينظر بعينيه الي الثريا الرهيبة المعلقة في سقف المطعم متوحدا مع آلاف القطع من الزجاج المضييء و كأن قلقه ينطلق عبر سويداء قلبه عبر فمه الي اعلي.... صورة واحدة لا تفارقه آرون ذلك الوغد قطعة الحجر في حذائه ستنقضي صفقةفايننشال كورب و لكن ماذا بعدها ذلك السكير الايرلندي سيمتص دماؤه الي الابد علي الرغم من انه لا يشكل تهديدا فعليا فمعلوماته تافهة و سطحية بالنسبة للحقيقة المجردة و لكنها ليست كذلك ان اصبحت علنية ستثير الاقاويل و الذباب علي صحن العسل..... لابد من هجوم مضاد علي ذلك الحشرة اما يقضي هذا الهجوم عليه أو يشغله مؤقتا متي سيرسل جيفري ذلك الصحفي البارع الذي تحدث عنه سيدفع بسخاء ليري نظرة حزينة يتيمة علي وجه آرون و سرت رعدة كهربية متوسطة في عظامه مع رنات الهاتف المحمول الاحتياطي رفعه بسرعة و رد : مرحبا من معي ؟

و علي الرغم من انه تحدث بالعربية في غمرة قلقه الا أن المتحدث أجاب بانجليزية اكاديمية : انا من طرف جيفري انا حاليا في بهو استوريا

في انتظار رسولكم

تعجب الشيخ و قال : انا في المطعم علي طاولة رقم عشرين قل للمتردوتيل الشيخ و سيفهم

رد الصوت بهدوء لا يتناسب مع قلقه : حسنا

و عاد الشيخ للنقر مجددا علي الطاولة وهو ينظر الي الثريا و يحلم ان تسقط بعظمتها علي رأس آرون.. بمبني فاينانشال كورب و هو يتعملق بالأموال السخية التي سيحققها من صفقاته المعروفة و غير المعروفة.... من بعيد فتح باب المطعم الاوتوماتيكي ودخل شاب متوسط الطول أسمر البشرة ملامحه عربية واضحة حليق الرأس و الشارب ذو نظرة حزينة تنظر عيناه الي نقطة ابعد مما يتوقعه الجميع يرتدي بدلة انيقة ايطالية التصميم تنافس بدلة الشيخ عدا انها تتناسق مع قوامه الممشوق و يتناسب لونها الأسود و قميصها الابيض مع جو المكان بصفة عامة

مما جعله اشبه بموظفي الفندق و ينفي هذا خطواته الثابتة ..... نظر الشيخ اليه طويلا و هو يزم شفتيه و يغلق عينيه نصف غلقة و كأنه يستطلع هويته اقترب الشاب رويد رويدا .... نعم انه هو نادر و لكن ماذا يفعل ؟ و ماذا يرتدي ؟ و كيف جاء ؟ هكذا اندفعت الاسئلة الي رأس الشيخ بلا هوادة ..... نادر صبي المعسل في ليالي بحري يسهر في استوريا رحماك يا امريكا اين أسهر انا اذا ؟ هكذا قال باستهزاء في انتظار الصحفي ..... واصل نادر التقدم بثبات عبر القاعة الطويلة و هو يبتسم في وجه الهولنديات و توقف امام الطاولة رقم عشرين و قال بنفس صوت الهاتف : مرحبا مستر راشد

ابتسم الشيخ في عدم اهتمام : مرحبا يا نادر اراك اتقنت الانجليزية يا ولد

رد نادر بجدية : لا عجب في هذا فانا اكتب بها...... جيفري يرسل تحياته

كاد الشيخ ان يهب من مقعده لولا فرط بدانته و صاح باستنكار : انت

رد نادر بهدوء : نعم ما العجيب في ذلك ؟ انت في نيويورك ايها الشيخ هنا كل شييء ممكن.... انت مثلا تستحوذ علي فاينانشال كورب غدا و لكنك تمول منظمات ارهابية في المساء ..... انا اعمل فتي في قهوة صباحا و باباراتزي مساءا

ابتسم الشيخ و قال : جيفري يرسل الافضل و لكن لماذا ارسل باباراتزي انا طلبت صحفيا

رد نادر : لا يهم كلاهم يبحث عن فضائح هل لديك فضائح للنشر يا مستر راشد؟

اجاب الشيخ : بالتأكيد لماذا لا تحدثني بالعربية يا نادر؟ انت مصري انا اعلم ذلك

اجب نادر بانجليزية هادئة : مهنيا هذا أفضل سيسهل هذا ترجمة كلامنا الي موضوع صالح للنشر

سال الشيخ بقلق : هل ستنشر كل شييء ؟

رد بهدوء :هذا يعتمد ؟

تسآل الشيخ بعصبية : يعتمد علي ماذا ؟ اسمعني جيدا يا ولد ...... انا

قاطعه نادر بلهجة هادئه و قوية : مستر نادر أو استاذ نادر يا مستر راشد انت لا تتحدث الي أحد خدمك .... و تذكر انت في حاجة الي كما اخبرني جيف حتي ان كنت ستمول ذلك التحقيق الصحفي او حتي ستدفع رشوة للتايمز انا لا اكترث انا اكترث فقط لسمعتي التي بنيتها هنا

بمعجزة ..... انت تقول ان أحد رجال الأف بي آي يطاردك يمثل لك ألما في مؤخرتك السمينة.... يختلق اكاذيب عن تمويلك لمنظمات اسلامية في الولايات ..... حسنا حسنا ماذا لو ان هذا صحيح؟ ستنفي و لكن ما ادراني ؟ لدينا مثل مصري يقول لا دخان بلا نار يا شيخ

وانا لست ابلها و لا هاويا لكي آخذ كلامك حرفيا و انشره

رد الشيخ بلهجة قاسية : لاحظ انك مستفيد ماليا و دعائيا

رد نادر بابتسامة شبحية : انا انشر باسم مستعار فلا اهتم..... اما مالك فادفعه رشوة للايرلندي ان كنت تريد

أخرج الشيخ اسطوانة مدمجة من سترته الضخمة و ناولها لنادر قائلا : هذا هو ملف الايرلندي في الاف بي آي كلفني هذا مبلغا ما و لكنني سأدفع مئات أضعافه اذا استطعت انت اضافة المزيد .... بدون اكاذيب .... اريد نيويورك كلها ان تطارد ابن القحبة هذا

قال نادر بتشكك : هل انت متأكد من بدون أكاذيب تلك ؟

رد الشيخ : قصدت بدون اكاذيب تخصني

قال نادر بهدوء : اسمع ايها الشيخ انا سانشر ما أراه صالحا.... لقد عينني جيفري في التايمز بسبب سوء نيتي هل تعلم سوء النية ؟ انها حاسة نبتت في طرف أنفي منذ أعوام طويلة لقد شممتك بسوء نيتي منذ ان دخلت المقهي عند الحاج علي...... و أردف يصرامة : سانشر بدون أكاذيب تخصك أو تخص غيرك ما رأيك ؟

رد الشيخ بعصبية : هل تظن أن جيفري -الذي يقبض مني شهريا كمستشار اعلامي- سيسمح لك ؟

اجاب نادر بسخرية : هل راجعت مبيعات التايمز بعد نشر فضيحة سانت انتواس و ممثلة الكابالاه ؟ هل تظن انك تملك نيويورك ؟ انا من يملك نيويورك يا شيخي العزيز لأنني احتفظ بفضائحها..... هكذا هي مدينتنا عاهرة مفضوحة و تحبني

حك الشيخ لحيته القصيرة و قال : انت لا تفهم انا أدفع بالفعل لمنظمات اسلامية بنيويورك و لكنها مراكز اسلامية و ليست ارهابية

اجابه نادر بالعربية هذه المرة : هل تظن ان عربيا يدخل لنيويورك ليشتري بنكا و يمر الامر مرور الكرام....و زفر بحنق : الم تتعلموا بعد انتم مكروهون هنا؟ الم تري ما فعله عمدة نيويورك بياسر عرفات؟ لا مستقبل لكم هنا لقد سيطر اليهود و الصينيين علي المدينة

ابتسم الشيخ قائلا : صدقني الأمريكيين و اليهود و الصينيين و امريكا كلها تنحني لشييء واحد........... المال

رد نادر : لماذا لم ينحني الايرلندي اذا ؟

رد الشيخ ببساطة : لأن ثمنه أغلي بكثير مما تستحق حشرة مثله يا استاذ نادر

نهض نادر بهدوء شديد من مقعده و غلق ازار سترته و ابتسم ابتسامة عملية و قال بالانجليزية : مسرور لمقابلتك يا شيخنا و سادرس الموضوع و سارد عليك بعد اسبوع

انتفض الشيخ قائلا : هذا الكابوس لا يمكن ان يستمر لاسبوع

رد نادر : صدقني اسبوع واحد يكفي بالكاد.... ساجمع مئات الخيوط علي بكرة واحدة.... بالمناسبة حاول ان تختار اماكن أقل بذخا من استوريا انت تثير انظار الجميع و ليس ايرلنديا مجنونا فقط

و ادار ظهره للشيخ -قاصدا الاهانة-و انصرف بهدوء اما الشيخ فقد أحمر وجهه و دق بقبضته علي الطاولة و في هذه المرة لم تنقر انامله الطاولة الابنوسية كالمندولين الايطالي بل دقتها كطبول حرب......حرب علي ذلك الايرلندي و ذلك المصري الذي غادر للتو من بعده

..............................
لا مزيد من التسكع و الدخول في مشاكل طفولية هكذا تطارده تلك العقيدة الجديدة برتابة البندول في كل لحظة في كل هاتف يأتيه منهم و لا يرد عليه في خروجه المنفرد مع كارلوس في ارتياحه النفسي مع هيذر .... في اختفاؤه عن أعين المكسيكيين ... يخرج كل يوم منذ ان اتخذ قراره بالحفاظ علي الجوهرة من المدرسة ليعمل بدوام جزئي في محل الاطعمة.... يقابل هيذر في مودرن ليبراري و ياخذها ليسيرا سويا علي ضفاف الهدسون و بعد ذلك رحلته اليومية الي بروكلين في الاتوبيس العام تاركا عقله ينطلق كيفما شاء في تفسير أحداثا أرضية و سماوية..... الشييء الوحيد الذي يقلقه هو رد فعل بشير .... قديما لاحظ غيرة الأخير من اي تطور شخصي يحدث لأصدقائه دلت علي ذلك عيناه المحمرتان يوم ان أن حصل كارلوس علي تقدير ممتاز في السنة الماضية حتي انه اشاح بوجهه ليداري انفعاله.... كان يجد فيه السلوي
فمن غيره كان يتسكع معه في المساء .... من غيره يكاد يحمل لقب فاشل علي جبهته..... هكذا هم الاصدقاء كزواج الكاثوليك لا فكاك منه
تري هل يوقع به .... باسرته جميعا لا ريب في انه يعلم انهم جميعا متواجدون بدون اوراق رسمية..... التهبت رأسه بالاسئلة و لكنها لطفت مع رؤيا هيذر خارجة من باب المكتبة تسير بنشاطها الكولومبي و بأنوثتها الجبلية الخلابة باتجاهه.... فطرح كل الحمم خارج فوهة ادراكه
نتناول العشاء سويا - هكذا قالت بلهجة ناعمة مقصودة لكي يوافق
لم يملك الرفض فأحني رأسه بحركة مسرحية قائلا : سمعا و طاعة سموك هيا بنا
و في مطعم ابروزو الصغير تناولا عشاءا شهيا من اللازانيا و اللحم المشوي و جلسا بهدوء يتناجيان
قالت: هل فكرت ماذا ستدرس بعد التخرج ؟
رد بتمهل : لا ادري بعد انا لا أحب شييء علي وجه الخصوص
قالت : ماذا عن هندسة الميكانيكا انت بارع في تصليح السيارات
قال بهدوء : ربما و لكن هذا يعتمد علي درجاتي هذا العام ... انا لا اريد ترك نيويورك
قالت بتردد : و كذلك لا تريد ترك منزل والديك
رد بصرامة : نحن لا نترك منزلنا في هذه السن
قالت لهجة ساخرة : و من انتم ؟ لماذا تصر علي أن تذكر انك تنتمي لثقافة مخالفة عندما اتحدث معك عن مستقبلك؟ هاي يا ايبرا انت تجالس فتاة كولومبية و تحتسي معها زجاجة كورونا في بروكلين.... تلقيت تعليمك هنا ....و رأيت كل ما تعرفه هنا انت أمريكي رغم انفك
رد بحيرة : ربما ... و لكن خطوة الانتقال هذه ليست سهلة علي أهلي أنتي لم تقابليهم بعد
قالت بحزن : هل تعلم انني تحدثت الي والدي و طلبت منه الرحيل و لكنه رفض بحجة انني لا ينبغي أن أجلس بمفردي بدون رجل
قاطعها قائلا : و لماذا لم تخبريه عني ؟
قالت بنفس اللهجة الحزينة : ماذا أقول له ؟. تعال لتشاهد صديقي الذي يعيش مع والديه انت لا تفهم انه يريد تزويجي لشاب لاتيني بحجة أنه يخشي علي فساد سلالته من المخنثين الاوروبيين
قال بضحكة : يمكنه أن ياتي ليشاهد بضاعتي بنفسه
ضحكت بتقطيبة : احترم نفسك
ثم رجعت لحزنها : يجب ان تحدد من انت يا ابراهيم أما ان تعش هنا كما يعيش الناس او.....أو
قطب و قال : أو ماذا يا هيذر ؟ ستتركينني.... حسنا انا تغيرت في الوقت الحالي من أجلك و لكن هذا لا يعني أن أكون مختلفا مئة بالمئة
قاطعته قائلة : انت لا تفهم ابي يريد ارسالي الي كولومبيا في الاجازة القادمة بصحبة احد معارفه .... شاب يعمل في السفارة
نظر الي الطاولة قائلا : انت تضعينني في موقف حرج.... حتي لو أردت الانتقال هذا لن يحدث في غمضة عين هذا يحتاج لشهر علي الأقل ... انا لا أملك مالا كافيا
قالت بحماس : سأساعدك خذ القرار و سأساعدك
رد بتردد : دعيني أفكر
قالت بحسرة : حسنا هيا بنا .... اتصل بي عندما تتخذ قرارا
دفع الحساب و سارا بهدوء دون كلمة واحدة كان يعلم انها محقة في كل شييء قالته و لكنه هذا ينطبق علي شخص غيره كيف سيترك أسرته انه لا يعلم ما المانع و لكن هناك مغناطيس خفي يربطه بذلك المنزل القابع بكونكلين علي الرغم من غياب ابيه شبه الدائم بسبب العمل و أحاديث امه شبه الأمية و تشككه في مستقبل عائشة و مطاردات لوكا الجنسية له في احلامه و يقظته و باتريشيا أخت كارلوس الصغيرة تلك البالغة تحت السن التي تتوسل اليه لكي ينام معها يوما واحدا..... عالم كونكلين هذا المفروض عليه يحبه و لا يكرهه و لا يعلم لماذا لا يكرهه لماذا لا يقدر علي تركه لماذا يرتبط بالأرض التي نشأ فيها ؟ هذه أحجية جديدة تماثل خشوعه عندما تقرأ امه القرآن في رمضان و حبه - الغير معلن - للطعام المصري مثل الملوخية و البامية و المسقعة و الكشري و غرامه بالمعسل و الرقص الشرقي و فيروز عندما تصدح في ليالي بحري و يطرب لها ابيه...... هذا عالم مختل أو انا أكثر اختلالا هكذا تحدث في نفسه و قطعت أفكاره صرير عجلات سيارة فورد تسعينيه توقفت بجانب الطوار الذين يسيران عليه هبط منها وجه كريه صائحة بشراسة لاتينية : هيه هيه انظروا يا رفاق فأر البي أل أو و كولومبيتنا الخائنة.... ماذا تفعل مع فتاتنا مجددا ايها العاهرة كنت أخالك في العلاج الطبيعي
رد ابراهيم بقسوة : اسمع يا بن العاهرة لو واصلت تبجحك هذه المرة ستفقد حياتك
انقض بانشو عليه في شراسة و نزع منه سرواله المضاد للمياه فصاح ابراهيم : هيذر أجري أجري الي أبعد ما تستطيعين
........................................
لا يعلم أحد علي وجه التحيد كيف صار المعلم الفلكي المفلس المحطم الذي ضبط متلبسا بتجارة المخدرات مع أخ الرئيس السابق مرشحا لمجلس الشعب عن دائرة الجمرك هكذا في غضون خمسة عشرة عاما من عاطل مكتئب لديه ابن مختل يعالج نفسيا .... الي شخصية بارزة في المجتمع السكندري " يلعب بالفلوس" كما يقول المصريون و لديه ابن ناجح في الولايات المتحدة لا يعلم عنه شيئا بل و يرفض كثيرا محاولاته للمساعدة ..... الانتخابات شرسة هذه المرة فالأخوان المسلمين قويت شوكتهم و عام2000 يقترب و التحضير للدعاية يجري علي قدم و ساق........ المعلم الفلكي يدري جيدا ان الأخوان يقاتلون حتي آخر بطاقة انتخابية و الحزب كذلك سيقاتل حتي آخر بطاقة مزورة أو بدل تالفة أو لمفقود..... كان يخرج اسلحته بالتدريج كأي سياسي -كاذب- الوعود بحل مشكلات عادية أو بمعني أصح واجبة علي الادارة المحلية -بحكم أن أهل الدائرة من دافعي الضرائب- يليها الوعود بالتوظيف و تزويج العوانس و كفالة الايتام و مساعدة المرضي بعد ذلك الوعود السرية للتجار -حتي تجار الحشيش بالشاطيء المجاور لقصر راس التين- بتخفيف قبضة الشرطة علي نشاطاتهم المشبوهة بعد ذلك
و في حالة اليأس فقط توزيع الأموال و اللحوم و الوعود الخيالية ببيوت و أطباق لاقطة و فيديو و حتي بعض السيارات المستعملة كل حسب مقداره فمثلا عائلة السويركي لن توزع عليهم مالا و لا بيوتا و لا أي شييء فقط ستخبر الضابط -بعد ابراز كارنيه الحزب- بأن يتركهم قليلا حتي بعد الانتخابات لأنهم مهمين فيها بهذا يضمن علي الأقل مائتي صوت و بهذا تضمن عائلة السويركي ان تظل مخدراتها في جيب الجميع الجالسون علي المقاهي يعدهم بالعمل و يوزع عليهم استمارات توظيف بل يبعثهم لمكتب توظيف-وهمي تابع له- في سموحة
وهكذا الي ان يضمن احكام سيطرته و بعدها ينطلق في سيارته المرسيدس مساءا للجلوس في مطعم قدورة للقاء كبار التجار و شخصيات الحزب ...... هذا ما عرفه نادر بحاسته الصحفية من سمير عبد المسيح عندما كانا جالسين علي ديليس و ظل يقلبه في رأسه مرارا و تكرارا
و هو في طريقه لمقابلة والده لأول مرة بعد سنين طويلة للغاية.... دخل المطعم و اتجه نحو ابيه الذي كان يلتهم سمكة بوري ضخة مشوية
و نقر علي ظهره التفت الفلكي فاغرا فاهه بالطعام : ناااااااادر يابن الكلب يابن الكااااالب
احتضنه بعاطفة حقيقية و قال و هو يضمه : انت هنا ..... كنت تقول لي.... الله يسامحك انا سالت عنك و انت معبرتنيش
ثم مسح يديه في فوطة بيضاء كانت مطوية و قال : أمك حتطير لما تشوفك
و انسالت دمعة صغيرة للغاية من عينيه مسحها بسرعة و هو يراقب الجميع و نادي علي غريب مدير المطعم فأتي فأشار الفلكي بيده المرصعة بعدة خواتم عربية : شوف استاذ نادر ..... ابني يأكل ايه
انصرف النادل فتوجه الفلكي لولده بالحديث : رجعت في وقتك انا مريض و محتاجك جانبي
تحدث نادر لأول مرة و نظرته الحزينة لم تفارقه : انا شغال فعلا
اندهش الحاج و قال : بالسرعة دي انت هنا من امتي ؟
رد نادر : من ثلاث ايام... من يومين في اسكندرية
ضحك الفلكي : سبحان الله في يومين اشتغلت ... انت امريكا غيرتك
ضحك نادر بسخرية : و اسكندرية غيرتك انت يا حاج
أشار الفلكي نحوهه قائلا : أهو كله عشانك في الآخر يا عم نادر
و زفر قائلا : واشتغلت ايه ؟و بيدوك كام يعني ؟ اسمع كلامي و تعالي جنب ابوك
رد نادر بهدوء : انا بشتغل تابع لشركة عالمية للاليكترونيات بس برضه ممكن اساعدك يا حاج
..........................................
يتبع