وطئت أرض ماليبو بعد رحلة طويلة من جيرسي الي مطار ال ايه اكس في لوس انجلوس ثم استقلت السيارة مع عمتها الي ماليبو.... طوال الطريق في السماء و علي البر كان يطاردها ذلك الشعور بالدونية لقد خسرت كل شييء المصري فيها و الأمريكي .... الطبيعي و المختلق
العذرية... الأسرة .... الاستقرار كل ذلك كان سلسلة حياتية أنفرطت بسبب فكرة واحدة.... من أنا ؟
كانت تعلم جيدا أن ويسلر الآن يكابد هما شديدا و لكنه هو من أختار لفظها هو ضحي بها لكي لا يشعر للأبد بأنه السبب في تمردها علي كل ما تعرف....كانت تنظر الي عمتها بتبرجها المبالغ فيه و تتسائل مع نفسها هل هذا هو ما ستصير اليه ؟ مجرد امرأة وحيدة ناجحة في مدينة بعيدة آلاف الكيلومترات عمن تعرف... عمن تحب... عمن تفهم ...... نظرت الي الشوارع و طالعت وجوه الناس في حزن شديد.... كانت تري بعضهم يلعب مع ضغاره في الحدائق الأمامية للبيوت.... بعضهم يقبل رفيقته.... بعضهم جالس وحيدا- لكن بهدوء- تري هل ستطمئن يوما ما ؟ هل ستختفي التساؤلات ؟ هل ستحصل يوما ما علي شرف الوجود بهوية ؟
قالت عمتها بهدوء: لا تفكري في ذلك الوغد مجددا أنت مازلت صغيرة و لديك الكثير لتفعليه هنا.... أنت ستصنعي مستقبلك هنا و ستنجحين فقط لو تركت ما تتعلقين به لأسباب عاطفية
قالت من أسفل حنجرتها : أنا مضطربة قليلا هذا كل شييء
ردت رئيفة : مجرد زوبعة في فنجان و ستهدأ و ستصبحين أقوي ما لا يقتلك يقويك يا صغيرتي
قالت بمرارة : أتمني أن يكون طالعي بهذه الرأفة
وصل كلاهما الي منزل رئيفة الفخم .... كان هناك مفاجاة من طراز خاص عشرات من جيران رئيفة و العاملين معها اصطفوا حول مائدة طعام ضخمة في الحديقة الأمامية و أعلاهم لافتة من الساتان الابيض مكتوب عليها بالأحمر مرحبا بك في ماليبو.... تبادل الجميع معها التحية و بدأوا في تناول الطعام..... كانت مشاعرها المشتعلة قد هدأت قليلا مع ذلك الترحيب ... تناولت القليل من الطعام و ذهبت الي طاولة صغيرة للمشروبات و جلبت كأس من العصير .... و بينما كانت تلتف لتعود الي مقعدها ..... فوجئت بعمتها تصطحب شابا أبيض البشرة بني الشعر و عيناه تميلان الي الزرقة و وجهت كلامها الي عائشة : عمر .... عائشة
مدت يدها في قلق و قالت : كيف حالك ؟ تشرفنا
ابتسم عمر في هدوء قائلا : سعيد لمعرفتك
واصلت رئيفة : عمر ابن جيراننا علي بعد منزلين يا عائشة... أبوه مصري وأمه أمريكية... و يعمل معي في المطعم
ثم أخرجت هاتفها المحمول و قالت بجدية : أف مزيد من الأعمال سأذهب من أجل مكالمة سريعة.... استمتعا
ابتسم عمر و توجه نحو عائشة قائلا : ما رأيك في ماليبو؟
كانت عائشة تكتم ابتسامة و هي تنظر الي عمتها التي غمزت بعينها من بعيد فردت علي عمر بضحكة طويلة أنهت الكثير من أحداث نيويورك : لعوب
........................................
نافيل : يخيل الي ان اليأس أو القلق ألزم اليك من المسئولية التي يحسها انسان يعيش في وحدة و لايجد من يشير اليه الا نفسه فهو مضطر الي ان يتخذ قرارات بمفرده...... أنا أوافقك علي أن الانسان يختار ما سيكونه ... و لكن القلق و اليأس مسألة لا تحدث لدي الانسان دوما... و لا تشترط لقيام عنصر الاختيار
سارتر: الاختيار الذي أقصده هو الاختيار الذي يتم في القلق.... القلق شرط ضروري و قائم بهذا المعني...لأنني سأظل دوما أختار...و بما أن اختياري دائم فقلقي دائم.... و القلق يلغي التعلل بأي علة لأنني مسئول عن اختياري
مناقشة بين الماركسي نافيل و جان بول سارتر في نادي مانتينا
كان نادر قد جهز حقيبتان كبيرتان و وضعهما بجانب الباب و وقف يتطلع الي الجمل السابقة في كتاب ممتليء بالتراب و الاصفرار من علي رف من الرفوف البنية.... نعم انا مسئول عن اختياري ..... لقد انسلخ سابقا و تحرر من شخصيته القديمة المتعللة بالواقع المريض.... المتمردة علي السكون..... و علي الرغم من انسلاخه كان الي عالم يحمل فكرة مسبقة..... الا ان الميتافيزيقا الناجمة عن هدوئه الداخلي غلبت كفة التعلل.... ما أن أبرز جواز سفره للضابط و تحدث بالانجليزية حتي تضآل الضابط في ذعر و رحل في غضون عشرة دقائق فقط
و في طريق عودته الي المنزل كان قد أتخذ قراره الذي سيتوقف عليه وجوده المستقبلي..... سيعود الي الولايات المتحدة ليعمل مجددا .... كان يعتزم الاستقالة من عمله في التايمز و البحث عن مهنة أخري...... لم يكن يعلم ما هي تحديدا و لكنه سيقبل بأي شييء
وضع الكتاب في مكانه علي الرف و قاطعه صوت سمير : انت مسافر يا نادر تاني.... راجع نفسك
قال نادر بهدوء : لقد راجعتها مرارا... انا لا أنتمي لشييء هنا
قال سمير : انت لا تنتمي للأسكندرية.... الي رأس التين.... الي المقاهي ... ابوك أمك....البحر.... الشتاء
رد مجددا بعد زفرة ارتياح طويلة : كل ما قلته صحيح و لكن الواقع هنا متأزم للغاية.... أريد أن أصنع عالما خاص بي... و هذا لن يحدث هنا
رد سمير بغيظ : و ستصنعه هناك
قال نادر : سأصنعه في اي مكان بعيدا عن تلك المنطقة المتفانية من العالم
الطريق الي المطار كان يحمل ارتياحا بلا حدود.... فالكتابة عن أمر يخصك غير تصوير عالم مختلف.... أما اختفاء الأثنين فيحمل بعدا ثالثا
لقد أدرك هنا أنه كان يهرب من الوهم و بأن العدم الذي كان يعيش فيه كان من صنعه.... هناك وجود و حياة حافلة و مفعمة بالحركة و لكنه كان يتمرد عليها.... لم يحزن من هزيمته امام القبة بل بالعكس اعتبرها بداية جديدة ... و ان كانت من صنع قوة فوقية... و لكنه اختار بمحض ارادته.... ليواصل الاختيار اذا و لا يهرب .... و انت ايها الواقع لتهنأ بدفعك المزيد من القلق في عروقي فهذا سيجعلني أنا أصنع الأحداث أنت تتسائل و أنا أجيب.... لن تتسائل أنت و أصيب أنا مجددا بالحيرة.... و انت أيتها العزلة أذهبي الي الجحيم مع رمادي القديم المستقر في أعماق المتوسط..... لقد صارت لي أخيرا صورة أتعامل بها مع حياة جديدة
لم يخبر والداه بانه سيسافر مجددا.... والده بالذات مؤكد أنه مشتعل غيظا الآن.... سلم علي سمير بحرارة في الصالة و دعاه لرؤيته في اي وقت و أثاره بموضوع زوجته المختفية و ابنته علي الرفم من أنه في داخله يعلم أن سمير أكثر ألتصاقا بأرض الأسكندرية من بحرها..... كانت دموع سمير تنهمر مجددا و لكن نادر كان هادئا للغاية و قال له بصوت خفيض : سأراك صدقني سأنزل الاسكندرية في زيارات سنوية لا تبكي كطفلة
فرد ظهره علي المقعد في ارتياح هاهو يرحل مجددا بعد رحلة الي العالم القديم اعاد فيها اكتشاف نفسه التي أنطمرت أسفل العديد من التجارب السيئة و الجيدة.... كان قد غسل روحه التي بثت فيه يوم صلاة المغرب من كل التساؤلات .... ليس بالاجابة عنها و لا بتجاهلها و لكن بالمضي قدما في عالم جديد..... و بينما كان ذيل الطائرة يرتفع عن الأرض... و بعد سماعه كلمات الترحيب من قائد الطائرة .... تمني نادر ان يكون هناك من يلتقط له صورة.... لينشرها في مكان ما تحت عنوان الميلاد
.....................................
كما جاء الي نيويورك في صمت رحل عنها في صمت.... كانت آخر جملة قالها لصبحي : لا أريد رؤية وجهك ثانية هنا أو هناك
حاول قدر الامكان أن يحمل معه قدرا من الأموال التي طالما شقي بها في تلك البلاد.... لقد خسر والده و ابنته و ابنه-الذي احتقره بعد واقعة القبو- اذا فلا داع لخسارة كل شييء..... زوجته حرصت علي جلب كل ما هو أمريكي لتخبر "القراشانات" أخواتها بأنها كانت في الجنة هناك و هبطت الي عالمهم بالأسفل بمحض ارادتها..... أما ابراهيم فكان يريد النسيان..... نسيان كل ما حدث و فتح صفحة جديدة في تلك البلاد.... تذكر وداع كارلوس الاخير.... احتضان لوكا الأخير.... مشهد آخر غروب في المدينة الشرقية... كل ما كان جميل كان يقبع في النهاية .... هبط ثلاثتهم في الأسكندرية بعد رحلة طويلة .... تحدثوا فيها لمما ... و أتفقوا دون حديث شفهي بأن ما سيجمعهم في الأيام القادمة أمرين.... النسيان و مسايرة بعضهم لبعض في تعاملهم مع الناس.... سيقتنع ابنه و زوجته عندما يتحدث مع اخوته بأن الحياة في امريكا كانت رائعة و لكن " البلد دي أحسن من غيرها " و سيقتنع هو و ابنه عندما تعزم الجيران و تقول بأنها أفضل من طبخ اللازانيا من المهاجرين و سيقتنع والداه به عندما سيقول لأصدقاؤه الجدد و أولاد عمومته بأنه كان من المتفوقين في الثانوية العليا و لكنه أتي لمصر لكي يخدم بلاده التي كان يتحرق شوقا لرؤيتها..... عندما دخل الي شقتهم في شارع سوق الحصر أخرج عقد بيع قديم لمحل العصافرة غير موقع و أخرج ختم والده القديم -الذي كان لا يأتمن سواه عليه -و وقع بدلا منه و تمتم في سره و الرطوبة الخانقة تؤرقه : أعتقد أنني صبرت عليك بما فيه الكفاية
في المساء كان يجلس مع اخوته عند المحامي من اجل اعلام الوراثة كان متحفزا لاخراج عقد البيع الذي زوره و لكنه فوجيء بالمحامي ينظر اليه في حزن و كأنه يعلم كل ما حدث و يقول : أما محل العصافرة فلولدي علي
ها هو يخبره مجددا من أسفل التراب بأنه أفضل من وساوسه.... بأن سنين عمره التي ضاعت هناك كانت من اجل اللاشييء دمعت عيناه و لكنه مسحها بسرعة و قال للمحامي و روح نيويورك لم تفارقه : و حنبدأ الاجراءات أمتي انشاءاللله ؟
.......................................
كنت قد خرجت من شقته القديمة للتو .... الجو حار للغاية وهو يشعل سيجارته من سابقتها فلم احتمل عالمه الدخاني بالاضافة لأنه أصابني باحباط هائل عندما قال لي بعد ان أنهي قراءة المسودة :مزيد من الخراء و لكنه يروقني ... و يحتاج للمزيد
كنت جالسا علي الكورنيش في ضوضاء بائعي حمص الشام و الجيلاتي و طقطقة الفحم الذي يشوي الذرة هذا بالاضافة لمشاهد المصطافين المخجلة علي شاطيء الانفوشي .... كل ما هو مجاني لابد ان يحمل صورة مزرية في بلدنا للأسف.... كانت جملة تحتاج المزيد هذه ترن في اذني كقطعة نقدية تدور علي الرخام .....كنت أتأمل كل شييء دون اعتبار لمعناه..... المزيد من أي شييء لن يكفيني و لن يكفي ما أكتب لكي استريح ... المزيد طلب سخيف في حد ذاته.... نوع من المطلق الذي لن نصل اليه دوما.... كنت احفظ كل ما قراه عن ظهر قلب.... و كنت أتحرق شوقا الي معرفة ماذا كان يقصد هو بالذات بكلمة المزيد ؟ هل مزيد من العبث في عالم ابراهيم و عائشة.... هل مزيد من الاختلاف بين هنا و هناك؟ هل مزيد من الجدل بين نادر و نفسه ؟ أم المزيد من التفاصيل عنه عن الورق..... ان سمير عبد المسيح يا من تقرا هو من كان جالسا أمامي خلال الستة أشهر السابقة...... ليس بوجوده المادي و لا باسمه المستعار هنا .... لكن بمعرفته المكثفة عن ما يحدث ..... فكرت قليلا و شعرت بأن المزيد الوحيد الذي نحتاجه جميعا ... أنا و هو و حتي من تدور عنهم الرواية.... هو ان نتخلص من أفكارنا البالية القديمة..... نحتاج جميعا الي المزيد من الشعور بأننا بشر طبيعيون..... قادرون علي جلب البهجة أينما حللنا..... قادرين علي احياء الأمل في نفوس من نعرفهم و من يعرفوننا و لا نعرفهم..... ليس من المهم أن نكون نحن محورا في حياة الجميع.... ليس من المهم ان نكون نحن اجابة لكل تساؤلاتهم.... و لا أن نكون نحن الحلول السهلة لكل قلقهم وتطلعاتهم ..... ليس من المهم ان نشاركهم افكارهم أو نصنعها..... و لا أن نكون نحن المستقبل في حياة بعضهم.... أو الماضي خيرا او شرا بالنسبة اليهم.... المهم ان يكون وجودنا جميعا له قيمة في حد ذاته.... و أن نعلم بأن اختياراتنا هي ما سيحدد ما سنكون عليه..... أعتقد أن وجود أحدهم بقيمة معينة في حياة من يعيشون حوله هو ما يسبب ذلك الشعور باللهفة -و هو أجمل شعور بشري في رأيي- هل لاحظت صديقك عندما يقابلك بعد غيابك الطويل ؟ هل فوجئت بدموع من تحب عندما تظهر في حياتها فجأة لتكتمل بداخلها صورتها عن سبب وجودها.... هل شعرت بالقوة و أنت تدفع مع أصدقائك سيارة توقف محركها ؟ أم شعرت بألفة و أنت جالس تدلي برأيك في مشكلة يعتبرونك حلا لها...... ها أنت تعود مجددا لتصبح قيمة ما في حياة أحدهم و ستصبح شئت أم أبيت سببا في وجود المزيد من الحياة.... مهلا ....مهلا .... هل هذا هو المزيد الذي كان يقصده؟..... ربما ... ربما أحتاج أنا و هذه الرواية الي مزيد من الحياة أو مزيد من السرد
.......................................................
تمت
الأسكندرية يوليو 2009
